لماذا سبقتْ أوروبا غيرها من مناطق العالم، فتفوَّقت في شتَّى العلوم والفنون والصِّناعات، وازدهرتْ بُلدانها ومُدنها ومدارسها الفكريَّة، وتحرَّرتْ شعوبها من قيود الجهل والتَّخلُّف والتَّسلُّط، وقادتْ مُعْظم طرائق وأشكال التَّحوُّلات السِّياسيَّة والإنسانيَّة والاقتصاديَّة والثَّقافيَّة والعلميَّة التَّي يشهدها العالم تباعًا على ما يزيد عن قرنَيْنِ، محدِثةً فروقات وقفزات هائلة في شتَّى ميادين العِلم والمعرفة والاختراع والبحث العلمي والابتكار واحتضان وتشجيع المواهب...؟ (لماذا تقدَّم الغرب وتأخَّر العرب؟). سؤال طالَما طرحَه وردَّده العلماء والمفكِّرون والباحثون والكتَّاب على مدار العقود القليلة الماضية وما زال مفتوحًا حتَّى اليوم مثيرًا الكثير من الجدل والحراك الثَّقافي والفكري والإنتاج المعرفي، ولا تزال الإجابات متباينةً مختلفًا عَلَيْها تُعَبِّر عن الإشكالات والتَّناقضات والتَّجاذبات العميقة التَّي تعيشها منطقتنا العربيَّة. ومَن يقرأ ويبحث في سِير العلماء والباحثين والمفكِّرين من العظماء والنَّابِهِين العباقرة المنتمِين إلى البُلدان الأوروبيَّة، خصوصًا بعد منتصف القرن السَّابع عشر وحتَّى عصرنا الرَّاهن، ويمعن في نشاطهم واهتماماتهم وقوَّة إرادتهم وما خاضوه من مخاطر جمَّة، وتضحياتهم الهائلة، وما قدَّموه من إنجازات علميَّة فارقة، أحدَثتْ تحوُّلات في المفاهيم والمعرفة والوعي، وحرَّرتِ العقول من المُسلَّمات، وأوجدتْ تفسيرًا علميًّا منطقيًّا لأحداث الطَّبيعة وعجائب الكون وتصرُّفات الكائنات الحيَّة، وعزَّزتْ من دَوْر العقل في البحث والتَّفكير والدَّفع نَحْوَ المزيد من إجراء التَّجارب والاختبار والتَّحليل ودراسة العيِّنات ومراقبة سلوكيَّات الكائنات الحيَّة بأنواعها وأشكالها واكتشاف المزيد مِنْها بما فيها تلك الَّتي انقرضتْ منذُ ملايين السِّنين وأسبابه، فسوف يهتدي إلى الإجابة على السُّؤال الَّذي طرحه المقال، وسوف يكتشف بأنَّ جهود وأعمال أولئك العلماء وشغفهم بالبحث عن إجابات للأسئلة التَّي تطرحها عَلَيْهم مفردات وعناصر وأشكال الحياة وأحداثها وكُلّ ما يحيط بها من أسرار هي الَّتي قادتِ البَشريَّة إلى هذه الطَّفرة العلميَّة غير المسبوقة في تاريخها والتَّي تجاوزتِ المخيال الإنساني بكثير. لقَدْ تعاظَمَ احترامي لأولئك الثُّلَّة من العلماء الَّذين قدَّم بعضًا من سيرتهم (بيل برايسون)، في كِتابه (موجز تاريخ كُلِّ شيء تقريبًا)، وتأكَّدت بأنَّ علماء ومفكِّري كُلِّ أُمَّة هم السِّر الحقيقي لتقدُّم البَشريَّة وازدهار الحياة والتَّفوُّق في العلوم والتَّحرُّر من الأوهام والمعتقدات الخاطئة والتَّفسيرات التَّي تربط كُلَّ حدَثٍ من أحداث الطَّبيعة بالمعجزات وغضب الله على الإنسان. يُشير (بيل برايسون)، في نموذج على تضحيات هؤلاء العلماء، بأنَّ رحلة أكاديميَّة علميَّة توجَّهتْ من فرنسا إلى البيرو (سنة 1735)، بغرض (مسح المسافات عَبْرَ تقسيمها إلى مثلَّثات عَبْرَ الآنديز)، أدَّت إلى مقتل طبيب الحملة و(فقَد عالم النَّبات عقله)، ومات (آخرون من الحمَّى والسَّقطات)، وقوبل الفريق بغضب السكَّان في بعض المناطق و(بأعمق الشُّبهات من المسؤولين). وقد كانتْ تخصُّصات العلماء في ذلك العصر ومجالات دراساتهم واسعة تتَّصف بالشُّموليَّة، فـ(عالِم الفلك الإنجليزي إدموند هالي) كان (قبطانًا بحريًّا، ورسام خرائط وأستاذًا للهندسة في جامعة أكسفورد، ونائب كبير المحاسبِينَ في دار سكِّ العملة الملكيَّة، ومخترعًا لناقوس الغوَّاصِين. وألَّف عن المغناطيسيَّة، والمدِّ والجَزْر وحركات الكواكب)، وله الكثير من الاختراعات والمقترحات والملاحظات العلميَّة المُهمَّة. لقد تعرَّض عدد كبير من هؤلاء العلماء للتَّكفير والمحاكمة والإعدام من قِبل رجال الدِّين المسيحيِّين، وآخرون للإقصاء والتَّجاهل من مُجتمعاتهم وحكوماتهم، وتمَّتْ سرقة اكتشافاتهم وأبحاثهم ونتائج جهودهم العلميَّة من أقرانهم، وقضى بعضهم عمره في دراسة نوَعْ واحد من أنواع النَّباتات أو الحيوانات، يراقب ويلاحظ ويسجِّل ويأخذ العيِّنات للوصول إلى نتائج علميَّة محدَّدة. وفي إطار تضحيات العلماء وإرادتهم الصُّلبة من أجْلِ الحقيقة فإنَّهم يعرِّضون حياتهم للأذى والألَم ومخاطر جمَّة لإثبات حقيقة ما، فهذا إسحاق نيوتن الَّذي (كان متألقًا بشكلٍ يفوق القياس)، (شيَّد مختبره الأوَّل في كمبريدج، وانخرط في أكثر أنواع التَّجارب غرابة. مرَّة أدخل مخرزًا في محجر عَيْنه وحكَّ الموضع الَّذي حَوْلَه، أي بَيْنَ «عَيْني والعظم إلى قرب الجانب الخلفي من العين قدر استطاعتي» فقط لأرى ما الَّذي سيحدث). فيما (جازف بنجامين فرانكلين بحياته كما هو معروف عَبْرَ تطيير طائرة ورقيَّة في عاصفة كهربائيَّة، وفي فرنسا اختير كيماوي يُدعى بيلاتر دو روسازييه لإشعال الهيدروجين عن طريق ابتلاع كميَّة ونفخها على اللَّهب المكشوف، مبرهنًا بضربة أنَّ الهيدروجين قابل للاشتعال بنَحْوٍ انفجاري وأنَّ الحاجبَيْنِ ليسا بالضَّرورة سِمة دائمة للوَجْه. وبِدَوْره، أجرى كافندش تجارب أخضع فيها نَفْسه لصدمات كهربائيَّة متدرجة، منتبهًا بذكاء إلى المستويات المتزايدة للألم إلى درجة أنَّه لم يَعُدْ يستطيع التَّحكم بوعيه). إنَّ حادثة فلكيَّة مِثل (مرور كوكب الزّهرة أمام الشَّمس)، دفع العلماء إلى الانطلاق إلى أكثر من (مئة موقع في أنحاء الكوكب بغريزة المحنة التَّي وسَمت ذلك العصر: إلى سيبيريا وإفريقيا الجنوبيَّة وإندونيسيا وغابات وسكنسون...)، وقد (أمضى جان تشاب شهورًا يسافر إلى سيبيريا بالعربة، والقارب ومَركبة الجليد، معتنيًا بأجهزته الحسَّاسة عِندَ كُلِّ قفزة مهلكة، فقط كَيْ يجدَ المرحلة الأخيرة مسدودة بأنهار هائجة، نتيجة أمطار ربيعيَّة غزيرة، التَّي سارع المحليُّون كَيْ يحمِّلوه مسؤوليَّتها بعد أن رأوه يوجِّه أدوات غريبة نَحْوَ السَّماء. ولكن تشاب هرب ناجيًا بحياته ولكن دُونَ أدوات مفيدة). أمَّا (جيوم لو جنتل)، الَّذي استعدَّ لمدَّة ثماني سنوات لرصدِ العبور القادم وفي (صباح 4 حزيران 1796، استيقظ في يوم رائع؛ ولكن، حين بدأ كوكب الزّهرة عبوره، انزلقتْ سحابة أمام الشَّمس وبقيَتْ هناك طوال مدَّة العبور). وعِندَ عودته أصيب بمرض خطير أقعده عن الحركة، وعِندَما (وصل إلى الوطن، بعد إحدى عشرة سنةً ونصف السَّنة من انطلاقه اكتشف أنَّ أقرباءه ـ ودُونَ أن ينجز أيَّ شيء ـ أعلنوا أنَّه مات وقاموا بنهب مزرعته). ولم يعشْ (الفريد لوثر فيجنز)، عالِم الفلك الألماني الَّذي وضع نظريَّة (الانجراف القاري)، ليرَى أفكاره وأبحاثه العلميَّة تعتمد، فقَدْ (قام وحده برحلة إلى جرينلندة في 1930، كَيْ يفحص نقص المؤونة. لم يَعُدْ أبدًا. عُثِر عَلَيْه بعد أيَّام مجمدًا حتَّى الموت في الجليد). ومن أجْلِ إجراء استقصاء ومسح شامل للبحار (أرسل المتحف البريطاني والجمعيَّة الملكيَّة والحكومة البريطانيَّة بعثة مشتركة أبحرت لمدَّة ثلاث سنوات ونصف السَّنة حَوْلَ العالم، آخذِين عيِّنات من المياه، ومصطادين الأسماك ورافعِين طبقة من الرَّسابة. كان عملًا كئيبًا على ما يبدو. فمن بَيْنِ (240) من العلماء ومن أفراد الطَّاقم، قفز واحد من كُلِّ أربعة من السَّفينة ومات ثمانية أو جنّوا. ولكنَّهم اجتازوا (70000) ميل بحري، وجمعوا أكثر من (4700) نَوْع جديد من المتعضيات البحريَّة، وما يكفي من المعلومات لتأليف تقرير من (50) مجلدًا «استغرق (19) سنةً كَيْ يجمع» واكتشفوا جبالًا مغمورة بالمياه في منتصف الأطلسي...). بإصلاح التَّعليم وتشجيع العلماء وتوفير البيئة المناسِبة لتحفيزِهم على إجراء التَّجارب والبحث والرَّصد والاستقصاء وتسجيل براءات الاختراع، واحتضان المواهب، وإنشاء المراكز العلميَّة والبحثيَّة، وتوفير موازنات ضخمة لهذه القِطاعات الحيويَّة تنهض الأُمم وتتقدَّم .
سعود بن علي الحارثي