يتساءل كثيرون من «المتفلسفين الواقعيِّين» عن جدوى إعلان أغلب الدوَل الغربيَّة عزمها الاعتراف بالدَّولة الفلسطينيَّة في الوقت الَّذي يفرض فيه الاحتلال واقعًا على الأرض يجعل مشروع «حلِّ الدَّولتين» غير قابل للتَّطبيق. يكاد المرء يتصوَّر أنَّ هؤلاء الواقعيِّين لا يستمدُّونَ الصِّفة من «الواقعيَّة السِّياسيَّة» وإنَّما من «الوقوع» المحبط. ففي النِّهايَّة كُلُّ خطوة مهما كانتْ بسيطة على طريق الحفاظ على الحقِّ الفلسطيني في مواجهة عدوان الاحتلال لا يجوز التَّقليل من أهميَّتها. وإذا كانتْ بعض الدوَل لا تضغط على الصَّهاينة بما يكفي لوقف مجازرهم بحقِّ الفلسطينيِّين، في غزَّة والضفَّة الغربيَّة، وتدمير قُراهم ومُدنهم وحرقها بالكامل فإنَّ أيَّ تحوُّل ولو ضئيلًا في موقفها لصالح الاعتراف بالحقِّ الفلسطيني هو ورقة مهِمَّة في يد صاحب الحقِّ طالما ظلَّ مقاوِمًا رافضًا للخضوع والتَّسليم.
من المُهمِّ الإشارة إلى أنَّ التَّغيُّر في مواقف أغلب هذه الدوَل لم يأتِ إلَّا من الضَّغط الشَّعبي من خلال المظاهرات والاحتجاجات على الجرائم ضدَّ الإنسانيَّة التَّي يرتكبها الاحتلال العنصري في قِطاع غزَّة. ورغم أنَّ الدِّيموقراطيَّات الغربيَّة في تراجع، ولم تَعُدِ الحكومات تعبأ كثيرًا بردود الفعل الشَّعبيَّة على سياساتها كما كان الوضع قَبل سنوات، خصوصًا مع صعود اليمين واليمين المتطرِّف إلى سدَّة الحُكم في أغلَب تلك الدوَل، إلَّا أنَّ خشية السِّياسيِّين من انقلاب النَّاخبِينَ ضدَّهم كان لها الأثر الأكبر في تغيُّر المواقف تجاه حقوق الفلسطينيِّين. ولْنأخذْ بريطانيا كمثال، وهي بعد خروجها من الاتِّحاد الأوروبي (بريكست) أصبحتْ تُمثِّل وضعًا وسطًا بَيْنَ أوروبا وأميركا. فرئيس الحكومة العمَّاليَّة الحالي كيير ستارمر لا يُمكِنه إغضاب الرَّئيس الأميركي دونالد ترامب. وهو وفريقه في حزب العمَّال أكثر بُعدًا عن المعايير الأخلاقيَّة والمبادئ الإنسانيَّة من توني بلير وزمرته. مع ذلك اضطرَّ ستارمر للإعلان الشَّهر الماضي أنَّ بريطانيا ستعترف بالدَّولة الفلسطينيَّة إذا لم توقف «إسرائيل» الحرب على غزَّة وتَحُول دُونَ مزيدٍ من التَّدهوُر للوضع الإنساني.
جاء إعلان عزم الاعتراف المشروط من قِبل حكومة بريطانيا نتيجة ضغط نوَّاب الحزب الحاكم في البرلمان على الحكومة وتهديد عددٍ كبير مِنْهم بالتَّمرُّد الَّذي كان يُمكِن أن يسقطَ ستارمر وفريقه. بل إنَّ بعض النوَّاب من الحزب الحاكم استقالوا أو أُقيلوا من الحزب لاعتراضهم على سياسة الحكومة الدَّاعمة لجرائم الاحتلال في فلسطين. بعض هؤلاء النوَّاب يتَّخذون مواقف مبدئيَّة لقناعتهم بعدالة الحقِّ الفلسطيني وعدوانيَّة الاحتلال الصُّهيوني، وبعضهم يتعرض لضغوط من ناخبيه في دائرته ويخشى خسارة أصواتهم إذا اصطفَّ مع حكومة حزبه وفريق زعيم الحزب كيير ستارمر. ما يحدُث في بريطانيا تجد نظيرًا له في دوَل أوروبيَّة أخرى. وإن كان هناك تباين في أوروبا بَيْنَ دوَل تتَّخذ حكوماتها موقفًا واضحًا منذُ بداية الحرب على غزَّة مِثل إسبانيا وأيرلندا، ودوَل غيَّرتْ موقفها مع زيادة حدَّة المجازر والمحارق بحقِّ الفلسطينيِّين مِثل بلجيكا والنّرويج. وهناك دوَل تتأرجح بَيْنَ الحياد والمَيل نَحْوَ انتقاد الجرائم ضدَّ الإنسانيَّة للاحتلال مِثل فرنسا ولوكسمبورج وهولندا ودوَل محايدة تمامًا تميل لتأييد الاحتلال مِثل ألمانيا وإيطاليا والسويد. وهناك دوَل مؤيِّدة للصُّهيونيَّة تمامًا مثل بولندا والمجر وجمهوريَّة التّشيك.
هذا التَّباين في مواقف الدوَل الأوروبيَّة هو الَّذي يَحُول دُونَ اتِّخاذ الاتِّحاد الأوروبي، الَّذي يضمُّ سبعًا وعشرين دَولةً، موقفًا موحَّدًا تجاه الإجرام الصُّهيوني. فبِغَضِّ النَّظر عن اعتراف بعض الدوَل بالدَّولة الفلسطينيَّة خلال اجتماعات الجمعيَّة العامَّة للأُمم المُتَّحدة هذا الشَّهر أم لا، تقدَّمتْ بعض دوَل الاتِّحاد باقتراحات لفرضِ عقوبات على «إسرائيل» لإجبارها على وقف المذابح والتَّدمير في غزَّة وقتلِ المَدَنيِّين بالتَّجويع والتَّعطيش. لكنَّ الدوَل المعارِضة أفشلتِ التَّوصُّل لقرارٍ بهذا الشَّأن في اجتماع وزراء الخارجيَّة الأوروبيِّين في كوبنهاجن بالدّنمارك هذا الأسبوع. مع ذلك لا بُدَّ من التَّفاؤل بهذا التَّحوُّل في سياسات دوَل غربيَّة كانتْ تدعم بشكلٍ مُطْلق الاحتلال «الإسرائيلي»، خصوصًا وأنَّ هذا التَّغيير ما كان لِيحدُثَ لولا الضَّغط الشَّعبي ومخاوف السِّياسيِّين من أن ينبذَهم النَّاخبون إذا لم يتَّخذوا موقفًا من جرائم الصَّهاينة.
طبعًا لا يُمكِن إغفال أنَّ القوَّة الأكبر في الغرب والعالم، الولايات المُتَّحدة، ليسَتْ فقط داعمًا بشكلٍ مُطْلق لكُلِّ جرائم الاحتلال، بل هي مشارِكة فيها وأحيانًا تُزايد على الصَّهاينة في المواقف العنصريَّة تجاه الضَّحايا الفلسطينيِّين. ورغم سطوة أميركا على الأوروبيِّين، إلَّا أنَّ تغيُّر مواقف دوَل أوروبيَّة بعيدًا عن التَّوَجُّه الأميركي هو نقطة إيجابيَّة لصالح الحقِّ الفلسطيني، حتَّى لو سلَّمنا بأنَّ الدَّوْر الأوروبي عالميًّا يتراجع، وأنَّ موقف أميركا هو الأكثر تأثيرًا. ليسَتْ هناك مبالغة في توقُّع أن يؤدِّيَ اعتراف هذه القوى الغربيَّة بالدَّولة الفلسطينيَّة إلى تغيير كبير. بل إنَّ هناك مَن يطرح تفسيرات تآمريَّة بأنَّ دوَلًا أوروبيَّة ـ خصوصًا مِثل بريطانيا ـ إنَّما تطرح الاعتراف بما يُبرِّر اتِّخاذ إدارة الرَّئيس الأميركي دونالد ترامب موقفًا أكثر تشدُّدًا يقرُّ بضمِّ «إسرائيل» للضفَّة الغربيَّة واستيلائها الكامل على قِطاع غزَّة.
إنَّما، وأيًّا كانتِ النَّتائج، فإنَّ اعتراف دوَل رئيسة بالدَّولة الفلسطينيَّة يُبقي الحقَّ الفلسطيني حيًّا في ضمير العالم، ويجعل الدَّماء الفلسطينيَّة التَّي يستبيحها الاحتلال لم تذهبْ سدًى. ولأنَّ دوام الحال من المحال، فغدًا يأتي يوم يستعيد فيه الفلسطينيون القدرة على بناء دَولة على أيِّ جزء من فلسطين التَّاريخيَّة.
د.أحمد مصطفى أحمد
كاتب صحفي مصري