ما زال المطوِّر العقاري دونالد ترامب يحلم بالاستيلاء على قِطاع غزَّة وفرض الوصاية عَلَيْه وتحويله إلى منتجع سياحي ذي ملكيَّة خاصَّة به تحت مُسمَّى (ريفيرا الشَّرق الأوسط)، ضاربًا عرض الحائط بالقوانين الدوليَّة وحقِّ الملكيَّة للشُّعوب، عائدًا بالزَّمن إلى الوراء إبَّان السَّطو على الدوَل والاستيلاء على أراضيها وثرواتها وتهجير شعوبها أو تطهيرهم عِرقيًّا، أو تحويلهم إلى عبيد. فقد نشرتِ الاثنين صحيفة واشنطن بوست الخطَّة التَّي وضعَها ترامب للاستيلاء على قِطاع غزَّة الَّتي يتفانى أبطالها في الذَّود عَنْها، سواء المقاوَمة الباسلة الَّتي أذاقتِ العدوَّ الصُّهيوني وحكَّامه أشدَّ أنواع الإذلال رغم إمكاناتها المتواضعة في امتلاك الآلة العسكريَّة أو بالنِّسبة للصُّمود البطولي للشَّعب الأعزل الَّذي يتعرض لكُلِّ أنواع الإبادة الجماعيَّة، سواء بالقصف أو التَّجويع، والخطَّة في حقيقتها ليس الهدف من الخطَّة إعادة الإعمار لقِطاع غزَّة أو إنهاء الإبادة الجماعيَّة التَّي يتعرض لها الشَّعب الفلسطيني في غزَّة عن طريق القصف والتَّجويع والقتل الجماعي لأكثر من (22) شهرًا، بل نحن أمام نكبة جماعيَّة فلسطينيَّة جديدة وتطهير عِرقي ممنهج.
أبرز ما نشرتْه صحيفة واشنطن بوست حَوْلَ الخطَّة الأميركيَّة المقترحة لقِطاع غزَّة، والمعروفة باِسْم (صندوق إعادة الإعمار والتَّسريع الاقتصادي والتَّحوُّل في غزَّة) وأبرز مُكوِّنات الخطَّة حسب ما ورَدَ في الصَّحيفة هو الوصاية الأميركيَّة لمدَّة (10) سنوات، بمعنى أنَّ الخطَّة تقترح تولِّي الولايات المُتَّحدة إدارة قِطاع غزَّة لمدَّة لا تقلُّ عن عشر سنوات، عَبْرَ صندوق ائتماني خاصٍّ يُدعى إعادة توطين مؤقَّت لسكَّان غزَّة (2 مليون نسمة) تتضمن إعادة توطين السكَّان مؤقتًا إلى خارج القِطاع أو إلى «مناطق مؤمَّنة ومقيَّدة» داخله. يتمُّ عرض التَّعويضات الماديَّة لمَن يوافق على الرَّحيل بـ(5000) دولار نقدًا، بالإضافة إلى توفير الغذاء لمدَّة عام، وإعانات لتغطية إيجار أربع سنوات!! بناء مُدن ذكيَّة مدعومة بالذَّكاء الاصطناعي، ومناطق صناعيَّة وسياحيَّة مثل»“ريفييرا الشَّرق الأوسط». مُلَّاك الأراضي سيُمنَحون «رموزًا رقميَّة» يُمكِنهم استخدامها للحصول على شقق في تلك المُدن أو تعويضات مستقبليَّة، إشراف مؤسَّسي وتنسيق دولي حيثُ تمَّ إعداد الخطَّة من قبِل ما تُسمَّى بـ»مؤسَّسة غزَّة الإنسانيَّة»، مدعومة من الولايات المُتَّحدة وتتعاون مع جيش الكيان المحتل وشركات أمن ولوجستيَّات أميركيَّة، إدارة القِطاع في هذه الفترة ستتمُّ تحت إشراف أميركي مباشر، مع تقليص دَوْر الأُمم المُتَّحدة، بحجَّة أنَّ النِّظام الحالي «غير فعَّال» ويسمح بتموضع «المسلَّحِين».
جاء ردُّ فِعل أصحاب الشَّأن تجاه الخطَّة منطقيًّا ومتوقعًا حيثُ عدَّتها الجهات الفلسطينيَّة ومراقبون بأنَّها تُشكِّل تهجيرًا جماعيًّا وتغييرًا ديموغرافيًّا بحجَّة إعادة الإعمار، وشبَّهوها بـ»جريمة تطهير عِرقي، فيما عَبَّرَت حركة المقاوَمة الإسلاميَّة (حماس) عن رأيها في الخطَّة بالقول «غزَّة ليسَتْ للبيع»، مؤكدةً أنَّ القِطاع جزء لا يتجزأ من فلسطين، فيما كانتِ الرُّدود العربيَّة الرَّسميَّة متطابقة إلى حدٍّ ما مع الموقف الفلسطيني حيثُ أدانتِ الطَّرح، وتبنَّتْ دوَل عربيَّة أخرى، مِثل مصر، خطَّة واقعيَّة بديلة لإعادة الإعمار تحافظ على بقاء السكَّان، تحت إشراف فلسطيني وتكامل دولي، أمَّا المنظَّمات الحقوقيَّة مثل الأُمم المُتَّحدة وصنَّاع قرارات دوليَّة وصفوا الخطَّة بأنَّها انتهاك واضح للقانون الدولي وتهديد خطير لحقوق الإنسان.
بَقِيَ أن نعرف أنَّ وراء هذه الخطَّة مجموعة من رجال الأعمال اليهود (صندوق إعادة بناء غزَّة والتَّسريع الاقتصادي والتَّحوُّل) من خلال رجال أعمال (إسرائيليِّين) يقفون خلْفَ (مؤسَّسة غزَّة الإنسانيَّة) الَّتي يقومون خلالها باستدراج الفلسطينيِّين لاستلام المساعدات وقتلهم؛ مِنْهم رجُل الأعمال مايكل ايزنبرج، ليرن بنكمن، مجموعة بوسطن للاستشارات بتكلفة يبلغ حجمها (100) مليار دولار. نوقشتِ الخطَّة بعيدًا عن وجود أيِّ ممثِّل فلسطيني أو عربي داخل البيت الأبيض، ويكفي أن تطلع على الحضور لتعرفَ الهدف العنصري والدَّموي من الخطَّة الكارثيَّة التَّي يهدف مِنْها القضاء على الشَّعب الفلسطيني وهم الرَّئيس الأميركي دونالد ترامب، وصهره اليهودي جاري كوشنر، مارك روبيو، توني بلير. إنَّ الخطَّة مشروع صهيوني للتَّطهير العِرقي المتَّبع منذُ بدء التَّخطيط له قرابة الثَّمانين عامًا، فهل تستفيق الأُمَّة؟ أم تظلُّ ردود الفعل مقتصرة على التَّنديد؟
جودة مرسي
من أسرة تحرير «الوطن »