•في اللُّغة، يُصنَّف الاعتكاف (على لزوم الشَّيء وتسخير النَّفْس له بالمزيد من النِّيَّة الصَّادقة)، وفي المعنى الإيماني الدِّيني يُصنَّف (على أنَّه الانصراف الرَّوحي للعبادة والتَّهجُّد)، وبَيْنَ التَّصنيفين يقترب الإخلاص في العمل إلى صورة الاعتكاف إذا كانتِ النِّيَّة المخلِصة هي المحرِّك له وكان صاحبه قد وظَّف إرادته بالمزيد من الإصرار على هذا الطَّريق، وبَيْنَما تتصدر الأرجحيَّة فرضيَّة (الرَّجل المناسِب في المكان المناسِب)، يظلُّ الاعتكاف على أساس الوازع الأخلاقي محرِّكًا باهرًا للقِيمة الإنسانيَّة.
•إنَّ من المشاكل التَّي تضرب العالم الآن سُوء الانتباه والتَّشتُّت والاستهانة بالأولويَّات وتغييب المواقف عن موجبات حضورها في الموقعَيْنِ الزَّماني والمكاني، وأذكُر أنَّني خلال مداولة أجريتها مع ابنتي على هامش دراستها للحصول درجة الماجستير في المنظَّمات المَدنيَّة غير الرِّبحيَّة، قلتُ لها إنَّ العمل المَدني التَّطوُّعي أخذَ ينحسر لصالح الأرباح المادِّيَّة في متواليات خارج التَّغطية المعقولة، ولذا، لا جدوى من دراستكِ إذا لم يكُنِ هناك إنصاف فيها لصالح تفعيل القِيمة الإجلاليَّة الخالصة لدَى هذا النَّوعْ المنظَّمات.
•إنَّ العالم اليوم بحاجة ماسَّة إلى الشَّراكة في التَّصدِّي التَّطوُّعي الحاسم لكُلِّ الصَّفقات المبيَّتة بغير وَجْه حقٍّ وإلَّا لَنْ يتغيَّر الحال مع كثرة الفضح والإدانة والشَّجب والتَّنديد، إذ لا يخرج ذلك من محتوى التَّصريف السِّياسي لرفعِ العتَب ليس إلَّا.
• ما قِيمة التَّصدِّي لكُلِّ السِّياسات العنصريَّة الضَّاربة إذا لم يحسم الرَّأي العام الدولي في تطوير موقفه لصالح أعمال إجرائيَّة ميدانيَّة يكُونُ هدفها التَّضامن لإيقاف ما يجري؟ وما قِيمة أن يشارَ إلى الخصومات والحروب والتَّهديدات الدَّائرة في أكثر من موقع واحد على امتداد العالم من غير أن يكُونَ هناك اعتكاف حقيقي لاستعادة السِّلم العادل؟ ونسأل أيضًا: ما قِيمة المنجز الدولي التَّحذيري الَّذي اعتكف من أجْلِه خبراء بيئة أشاروا إلى المخاطر الجسيمة التَّي هي من صنع الإنسان تلويثًا وإفلاسًا وإفراطًا بمقدرات الطَّبيعة إذا بقيَتْ عِندَ حدود التَّأشير فحسب؟ وأيُّ قِيمة لاعتكافات علميَّة وتوزيع جوائز نوبل للعلماء في اجتهادات معرفيَّة عظيمة في حين تخضع معارفها لاحقًا للبيع والشِّراء في أسواق ملوَّثة بغبار الكسب المجرَّد؟
•إنَّ العالم يتعرض إلى الخرق الآن في متواليات من الاعتكافات غير مُجدية، وإذا كانتْ هناك فرص جديَّة في الخلاص من ذلك فلا سبيل إلَّا بتغيير الأسبقيَّات.
•الحال، ما زلتُ عِندَ مقترحي في الدَّعوة إلى اعتكاف الأُمم المُتَّحدة على نقطة جوهريَّة تتعلق بخفض معدَّل الكوارث التَّي هي من صُنع الإنسان إن لم تتوافرِ العزيمة القادرة على تصفيرها، والتَّرفُّع عن الاستهانة بحقوق الإصغاء والتَّعويض والكفِّ عن التَّغييب.
•لم يبقَ على انعقاد الدَّوْرة السَّنويَّة الـ(79) للجمعيَّة العامَّة للأُمم المُتَّحدة إلَّا أيَّام قليلة أمامها ملفَّات مُضنية بحاجة ماسَّة للاعتكاف بنيَّة المصير المشترك، أقول إذا لم يتحقق هذا النَّوْع من الاعتكاف تكُونُ المنظَّمة قد فوَّتتْ على إرادتها فرصة أخرى، ويكُونُ ميثاقها العتيد قد واصلَ عُزلته المعروفة، وتكُونُ العفرتة ومصادرة المواقف قد أخذتْ طريقها في المزيد من الاستفحال ويكُونُ أمين عام المنظَّمة الدوليَّة أنطونيو جوتيريش قد حشَر نَفْسه ضِمن قائمة أقرانه السَّابقين.
•لقد سرَد أمينها العامُّ الأسبق بطرس غالي مِحنته خلال مذكِّراته (5 سنوات في بيت من زجاج) حين قال إنَّ إرادته الشَّخصيَّة للإصلاح تعرضتْ للتَّجميد في أكثر من دالَّة واحدة، أي (لا يهش ولا ينش)، بمعنى مسلوب الحيويَّة أُسوة بحرَّاس المقابر، وما أكثرهم.
عادل سعد
كاتب عراقي