الأربعاء 20 مايو 2026 م - 3 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : زيارة تعزز الشراكة وتسعى إلى التكامل الاقتصادي

الأربعاء - 03 سبتمبر 2025 04:20 م

رأي الوطن

190


تمتدُّ العلاقات بَيْنَ سلطنة عُمان وجمهوريَّة العراق بجذورها إلى عُمق التَّاريخ، حيثُ جمَعتِ الشَّعبَيْنِ الشَّقيقَيْنِ روابط حضاريَّة وثقافيَّة وتجاريَّة شكَّلتْ عَبْرَ القرون جسورًا من التَّواصُل المستمرِّ. ومع التَّحوُّلات الَّتي شهدتها المنطقة في العُقود الأخيرة، تمكَّن البَلدانِ من ترسيخ هذه العلاقات على أُسُس أكثر صلابة؛ لِتصبحَ نموذجًا في الثِّقة والاحترام المتبادل. وتأتي زيارة دَولة محمَّد شيَّاع السُّوداني رئيس وزراء العراق إلى مسقط كحلقة جديدة في هذا المسار، بما يعكس حرص القيادتَيْنِ على الارتقاء بالتَّعاون الثُّنائي إلى مستويات أرْحَبَ، وهي زيارة تنسجم مع الرُّؤية الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ الَّتي تؤكِّد أنَّ بناء الشَّراكات التَّاريخيَّة وتجديدها على أرضيَّة المصالح المشتركة هو السَّبيل الأنجع لمواجهة التَّحدِّيات، وصياغة مستقبَلٍ يَقُوم على التَّنمية والأمن والاستقرار، في وقتٍ تحتاج فيه المنطقة إلى نماذج واقعيَّة تُترجم معنى التَّكامل العربي العملي بعيدًا عن الشِّعارات.

ويتمثَّل العنوان الأبرز لهذه الزِّيارة في الاقتصاد؛ لأنَّه البوَّابة الَّتي تُعطي للعلاقات العُمانيَّة ـ العراقيَّة مضمونها العملي وقدرتها على الاستمرار. فالأرقام تكشف عن مسار صاعد للتَّعاون؛ إذ بلغَ حجْمُ التَّبادل التِّجاري بَيْنَ البلدَيْنِ في النِّصف الأوَّل من عام 2025 أكثر من (239) مليون ريال عُماني، مقارنةً بـ(156) مليون ريال خلال الفترة نَفْسِها من العام السَّابق، وهو نُموٌّ يعكس ثقةً متبادلة تتجاوز المجاملات الدّبلوماسيَّة إلى شراكات حقيقيَّة. كما سجَّلتِ الاستثمارات العراقيَّة في السَّلطنة حضورًا لافتًا، مع أكثر من (1300) شركة برأسمال يقارب (94) مليون ريال عُماني، في مؤشِّر على جاذبيَّة البيئة الاستثماريَّة العُمانيَّة وما توفِّره من مناطق حُرَّة وحوافز وموقع استراتيجي يربط أسواق آسيا وإفريقيا.. هذه الأرقام حين تُقرأ في سياقها السِّياسي تَعني أنَّ العلاقة الثُّنائيَّة تتحوَّل تدريجيًّا من مجرَّد تعاون تجاري إلى تكامل اقتصادي شامل، قادر على فتح أسواق جديدة، وتوفير فرص عمل، وإيجاد روافد مستدامة للنُّمو والتَّنمية الَّتي تخدم استقرار المنطقة بأكملها.

وتزداد أهميَّة هذه الزِّيارة حين ننظر إلى المشروعات الاستراتيجيَّة الَّتي يُمكِن أنْ تُشكِّلَ رافعةً للتَّكامل بَيْنَ البلدَيْنِ، وفي مقدِّمتها مشروع (طريق التَّنمية) الَّذي أطلقَه العراق لِيربطَ موانئه بالخليج وصولًا إلى أوروبا، والَّذي تُقدَّر تكلفته بأكثر من (17) مليار دولار، والَّذي يفتح الباب أمام فرص واسعة للشَّركات العُمانيَّة، خصوصًا في مجالات النَّقل والخدمات اللوجستيَّة والتِّجارة العابرة للحدود، خصوصًا وأنَّ السَّلطنة تُقدِّم عَبْرَ موقعها الاستراتيجي على بحر العرب والمحيط الهندي، قِيمةً مُضافة كبيرة لهذا الطَّريق، إذ يُمكِن لموانئها ومناطقها الحُرَّة أنْ تتحوَّلَ إلى بوَّابةٍ لوجستيَّة تُتيح للمنتَجات العراقيَّة الوصول إلى أسواق آسيا وإفريقيا بسهولة، بَيْنَما تجد الصَّادرات العُمانيَّة منفذًا جديدًا للانسياب عَبْرَ الأراضي العراقيَّة نَحْوَ أوروبا. إنَّ هذه الرُّؤية التَّكامليَّة لا تنسجم فقط مع أولويَّات العراق في إعادة بناء اقتصاده، وإنَّما تتوافَق مع أهداف رؤية «عُمان 2040» في تنويع الشَّراكات، وتعزيز موقع سلطنة عُمان كمركز إقليمي للتِّجارة والرَّبط اللوجستي، ما يؤكِّد أنَّها خطوة استراتيجيَّة تنقل التَّعاون من مستوى الثُّنائي إلى فضاء إقليمي أوسع.

ويبقى البُعد الأعمق لهذه الزِّيارة هو تناغم القيادتَيْنِ حَوْلَ مفهوم أنَّ التَّنمية تُشكِّل الشَّرط الأساس لِتَحقيقِ الأمن والسَّلام. فالتَّجارب أثبتتْ أنَّ الاستقرار لا يُبنى عَبْرَ التَّرتيبات الأمنيَّة وحْدَها، وإنَّما عَبْرَ شبكة مصالح اقتصاديَّة تجعل الشُّعوب أكثر تمسُّكًا بمستقبَلٍ مشترك. إنَّ ما يجري بَيْنَ سلطنة عُمان وجمهوريَّة العراق يتجاوز مجرَّد تعزيز التَّبادل التِّجاري أو فتحِ آفاقٍ استثماريَّة، لِيشكِّلَ نموذجًا عربيًّا واقعيًّا يَقُوم على المصالح المتبادلة والفرص المشتركة، وهو ما يتوافَق مع رؤية حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ الَّتي تنطلق من أنَّ التَّنمية هي حجر الأساس لأيِّ سلامٍ مستدام، وأنَّ بناء الشَّراكات الاقتصاديَّة هو الطَّريق الأمثل لِتَقليلِ التَّوتُّرات وتحجيم التَّدخُّلات الخارجيَّة. لذلك فإنَّ تعزيز التَّعاون العُماني ـ العراقي يرسل رسالة أوسع للمنطقة بأنَّ الأمن لا ينفصل عن الاقتصاد، وأنَّ بناء غدٍ آمِن يبدأ من الاستثمار في الحاضر، عَبْرَ مشروعات تنمويَّة تفتح أبواب العمل، وتصنع الثِّقة، وتؤسِّس لعلاقةٍ تستند إلى مصالح الشُّعوب.