الجمعة 22 مايو 2026 م - 5 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

إفطار الصباح وطلابنا!

إفطار الصباح وطلابنا!
الاثنين - 01 سبتمبر 2025 01:29 م

د. يوسف بن علي الملَّا

30


مع بداية العام الدِّراسي الجديد، وفي كُلِّ صباح رُبَّما نشاهد نَفْس المشاهد تتكرر. فالطِّفل يخرج من منزله وحقيبة ظهره معلَّقة على كتفه، وخطواته إمَّا باتِّجاه حافلة المدرسة أو للفصل المدرسي، بَيْنَما الوالد والأُمُّ في عجَلة من أمرهما، يكتفيان بالقول: تناول أيَّ شيء بالمدرسة. رُبَّما يكُونُ هذا الرّوتين اليومي للعائلة أو لحظة عابرة لكن يَجِبُ أن نعي أنَّ تلك اللَّحظات تؤثِّر على تركيز الطِّفل وصحَّته. والقول هنا إنَّ ذلك الفطور ليس مجرَّد عادة اجتماعيَّة، بل هو حقٌّ صحِّي يحتاجه عقل الطِّفل لبدء يومه الدِّراسي.

بطبيعة الحال، تؤكِّد الأبحاث الطبيَّة أنَّ الأطفال الَّذين يتناولون فطورًا متوازنًا يكُونُون أكثر قدرة على التَّركيز وحفظ المعلومات من أولئك الَّذين يذهبون إلى المدرسة بمَعِدة فارغة. وما أريدُ التَّأكيد عَلَيْه هنا، أنَّ هذا الأمر لا يقتصر تأثيره على القدرات العقليَّة فحسب، بل يؤثِّر بشكلٍ وآخر على السُّلوك، مع انخفاض التَّشتُّت والانفعال وزيادة المشاركة الإيجابيَّة في الفصل الدِّراسي.

بل إنَّ دراسة أخرى أُجريت لطلاب المدارس تتراوح أعمارهم بَيْنَ الثَّامنة والسَّادسة عشرة عامًا، أكَّدتْ أنَّ تخطِّي وجبة الإفطار ارتبط بانخفاض التَّحصيل الدِّراسي في القراءة والتَّهجئة. ممَّا يُشير إلى أنَّ الدِّماغ يحتاج إلى طاقة مستمرَّة لأداء المهام اللُّغويَّة. وهذا صدقًا يؤكِّد أنَّ وجبة الإفطار ليسَتْ رفاهيَّة يُمكِن الاستغناء عَنْها، بل هي ـ إن صحَّ لي القول ـ جزء من عمليَّة التَّعليم نَفْسها!

من ناحية أخرى، عِندَما نذْكُر الطَّالب أو الطَّالبة يَجِبُ أن ندرك أيضًا جودة الغذاء المقدَّم وما هي القِيمة الغذائيَّة لذلك الفطور. صحيح قد توفِّر فترة قصيرة من تناول السكريَّات السَّريعة طاقة مؤقَّتة، لكن فجأة يجد ذلك الطَّالب أو تلك الطَّالبة نَفْسهما في منتصف الفصل الدِّراسي ويتحركون بنشاط. مع ذلك، تعتمد الصحَّة الحقيقيَّة لهؤلاء الطلاب والأطفال على مبدأ الثُّلاثي الذَّكي ـ إن كنتُ أستطيع وصفه ـ فمثلًا من الكربوهيدرات بطيئة الامتصاص مثل الخبز، إلى البروتين كالبَيض أو الحليب، والخضراوات أو الفواكه. وحقيقةً يَجِبُ أن يكُونَ المشروب الرَّئيس خاليًا من السكَّر والمُحلّيَات؛ لأنَّ استقرار مستويات السكَّر يَضْمن صفاء الذِّهن خصوصًا لهؤلاء الطلاب!

ومع ذلك كُلِّه، فهنا المسؤوليَّة لا تقع على الأُسرة وحدها. فالمدرسة أيضًا شريك أساس في بناء عادة الإفطار. يَجِبُ على المدراس الحكوميَّة والخاصَّة مراعاة التَّغذية الصحيَّة الحقيقيَّة لطلابهم، والسَّعي لتقديم وجبات صباحيَّة بمعايير غذائيَّة واضحة والابتعاد عن السكريَّات المضافة، والَّذي باتَ شائعًا كثيرًا ويقلِّل من قِيمة المدرسة كحاضنة علميَّة تبني أبناء أصحَّاء لهذا المُجتمع، خصوصًا وأنَّ الكثير من الدوَل بدأت تسعى لتحديث معايير الطَّعام المدرسي لتقليلِ الملح والسكَّر وزيادة الحبوب الكاملة والخضار، وهو اتِّجاه عالمي يعكس إدراك أنَّ الصحَّة المدرسيَّة هي أساس التَّحصيل الأكاديمي.

أمَّا إذا ما نظرنا لبُعده العاطفي والإنساني فيَجِبُ أن نعي بأنَّ الإفطار ليس فقط وجبة للعقل، بل إنَّها لحظة دفء تمنح ذلك الطِّفل شعورًا بالاهتمام والأمان، وهذا بحدِّ ذاته ـ بلا شك ـ ينعكس على نفسيَّته ودراسته بالمدرسة. فحين يجلس الطِّفل على المائدة مع والدَيْه، حتَّى لدقائق معدودة، فهو يتلقَّى رسالة غير مباشرة بقِيمته ويشعُر بالحُبِّ الَّذي يدفعه للمثابرة في تحصليه الدِّراسي.

ختامًا، كُلُّنا يعي أنَّ فطور المدرسة ليس مجرَّد وجبة سريعة، بل هو استثمار في الصحَّة والعقل، وأحيانًا في السُّلوك. وعَلَيْه يتطلب ذلك تحويل الفطور إلى عادة يوميَّة، يهتمُّ بها الأهل وتحثُّ عَلَيْها المدرسة، وينتهجه المُجتمع.

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]