مسقط ـ « الوطن»:
دشنت منصة (عين) التابعة لوزارة الإعلام خمسة كتب صوتية جديدة، تنوّعت بين قصص للأطفال ونصوص سردية للكبار، مواصِلة بذلك دورها في إثراء المكتبة الصوتية العربية، وتوسيع دائرة الوصول إلى الأدب والمعرفة عبر وسيطٍ يجمع بين جمال اللغة ودفء الصوت.
قصص للأطفال: خيال
تربوي ورسائل إنسانية:
أوّل هذه الإصدارات هو قصة الأطفال (عش للعصافير) للكاتبة العُمانية جوخة الحارثية، برسوم عماد أبو صالح، والصادرة عن النادي الثقافي بمسقط عام 2010. تروي القصة حكاية طفل يهمل نظافته حتى يجد نفسه في مفارقة طريفة، حين يتحوّل شعره الطويل غير المُعتنى به إلى عشّ صغير يأوي عصفورين. عبر هذه المفارقة الكوميدية، يكتشف الطفل أن إهماله يقوده إلى مشكلات مزعجة، وأن النظافة ليست ترفًا بل قيمة أساسية من قيم الحياة. الكتاب يقدّم للأطفال درسًا تربويًّا مغلّفًا بخيالٍ بسيط، ويقدم وجها آخر للأديبة العمانية جوخة الحارثية، أوّل روائية عربية تُتوَّج بجائزة البوكر العالمية عن روايتها (سيدات القمر)، وهو وجه كاتبة أدب الأطفال الذي قدمت فيه أكثر من عمل. قرأت الكتاب بصوتها المذيعة سندس البادري، وأخرجه لمنصة عين سيف الجرداني.
أما الكتاب الثاني فهو قصة (قناع الغريب) للكاتبة العُمانية عائشة الحارثية، برسوم براء العاوور، والصادر عن منشورات ينبع الكتاب في الدار البيضاء عام 2023. تسرد القصة حكاية رجل غامض يدخل بلدة مرتديًا قناعًا يخفي وجهه، سرعان ما يكسب ثقة أهلها ثم يفرض حضوره تدريجيًّا على حياتهم، حتى يتحول إلى رمز للخوف والهيمنة. بأسلوب مشوّق وصور رمزية واضحة، تطرح القصة أسئلة حول فقدان الهوية والخضوع للقوة المقنّعة، لتصبح أقرب إلى حكاية فلسفية مغلفة بلغة موجّهة للأطفال. حظي الكتاب باعتراف مهم بوصوله إلى القائمة القصيرة لجائزة (اتصالات) لأدب الطفل في دورتها السادسة عشرة (2024)، وهو ما يبرز قيمته الأدبية والتربوية. وقد قرأتْه بصوتها المذيعة حنيفة العبريه وأخرجه للمنصة سلطان المعمري.
ويكتمل عقد كتب الأطفال بكتاب (مكتب أبي) للكاتبة التركية أسين باجاجي طائر، ورسوم آيشين ديلي باش آر أوغلو، والصادر عن دار مسار الفكر بمسقط عام 2023، بترجمة أحمد قطان. يحكي الكتاب قصة طفلة صغيرة تفكّر في إهداء أبيها شيئًا مميّزًا، فتختار أن تصنع ساعة بيديها لتضعها على مكتبه، وتكتشف أن قيمة الهدايا لا تُقاس بثمنها المادي، بل بما تحمله من حبّ ومشاعر صادقة. بلمساته الإنسانية البسيطة، يزرع الكتاب في نفوس الأطفال قيمة المبادرة والتعبير عن المحبة بالجهد الذاتي، ويقدّم نموذجًا لعلاقة الأب بابنته في أبهى صورها. لا تخلو القصة من أبعاد تعليمية حول تنمية الخيال العملي والذكاء العاطفي، فهي تدعو الطفل للتجريب، ولإدراك أن (الأشياء التي نصنعها بقلوبنا تبقى الأجمل). قُرِئَ الكتاب بصوت منيرة الهنائي، وأخرجه سيف الجرداني.
سرد للكبار: بين الواقع والفانتازيا
في جانب السرد الموجّه للكبار، دشنت المنصة كتاب (صديق الملكة) للكاتب العُماني زاهر بن حارث المحروقي، الصادر عن الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء بالتعاون مع دار (الآن ناشرون وموزعون) الأردنية عام 2024. يقدم المحروقي في هذا الكتاب مجموعة من الحكايات التي تتأرجح بين الواقع والدهشة، إذ يلتقط شخصيات صادفها في حياته أو مواقف غير مألوفة عايشها في أسفاره وحضوره اليومي. بعض النصوص تستند إلى وقائع طريفة من أماكن بعيدة، وأخرى تُضيء تفاصيل محلية حميمة، لكن جميعها كُتِبتْ بلغةٍ بسيطة تخفي خلفها نظرة متأملة في غرابة الحياة الإنسانية. يوفّر الكتاب للمستمع متعة الحكاية المستلة من الواقع المعيش ممزوجة بلمسة الكاتب الشخصية التي تجعل المألوف مدهشًا، وتمنح الغريب ملامح من الحميمية. سجل زاهر المحروقي الكتاب بصوته وأخرجته لمنصة عين أمينة العامرية.
أما الكتاب الخامس والأخير فهو (أقاصيص أقصر من أعمار أبطالها) للكاتب المصري طارق إمام، الصادر عن دار الشروق بالقاهرة عام 2023. يعدّ الكتاب مشروعًا طموحًا في فنّ القصة القصيرة جدًا أو (القصة الومضة)، حيث يضم أكثر من مئة نص قصير ومكثف تجمع بين الطابع الشعري والخيال السردي والفانتازيا. في هذه النصوص تتجاور المفارقة السوداء مع الرؤية الفلسفية، وتظهر الشخصيات وكأنها شذرات من أحلام أو كوابيس، مثل نص يحلم فيه الإنسان بنفسه نائمًا، أو آخر يتجوّل فيه داخل حذائه الواسع دون حاجة إلى الطريق. هذه المقاطع المكثفة تطرح على المستمع أسئلة وجودية كبرى بلغة مقتضبة لكنها حادة الإيحاء. بهذا المعنى، يتجاوز الكتاب مجرّد القصص ليصبح مختبرًا للخيال والأسلوب، يحرّض القارئ على إعادة النظر في بديهيات الحياة اليومية. وقد قرأ الكتاب بصوته سليمان المعمري وأخرجه للمنصة حمد الوردي. وتأتي هذه الإصدارات في إطار مشروع (الكتاب الصوتي) الذي أطلقته وزارة الإعلام عام 2021، والذي بلغ حتى الآن 72 كتابًا صوتيًّا تتوزع في شتى صنوف المعرفة، ليواصل المشروع رسالته في إتاحة النصوص العربية عبر وسيطٍ حيّ يجعل من الصوت جسرًا نابضًا يصل القارئ المستمع بعوالم الأدب والفكر والمعرفة.