يُشكِّل الأداء الأخير لبورصة مسقط انعكاسًا حيًّا للدَّوْر المتنامي لسُوق المال في دفع عجَلة الاقتصاد الوطني، فقَدْ تجاوز المؤشِّر العام حاجز الـ(5000) نقطة بعد غياب استمرَّ نَحْوَ ثماني سنوات، في محطَّة فارقة تؤكِّد أنَّ البورصة تحوُّلت إلى منصَّة استراتيجيَّة لتمويل المشاريع، ودعم مسار التنويع الاقتصادي. ويعكس الإنجاز حالة ثقة متصاعدة بالاقتصاد الوطني، الَّذي أثبتَ خلال السَّنوات الأخيرة قدرته على التكيُّف مع التحدِّيات، والتحوُّلات الإقليميَّة والدوليَّة. ويأتي هذا الأداء في وقتٍ تتسارع فيه خطوات الإصلاح الاقتصادي ضِمن رؤية (عُمان 2040)، حيثُ تتكامل السِّياسات الحكوميَّة، مع تطلُّعات السُّوق لتوفير بيئة استثماريَّة متوازنة، تتيح فرصًا أوسع أمام المستثمِرِين المحليِّين والدوليِّين، ما يؤكِّد أنَّ ما تحقَّق يُعَدُّ بداية لمسارٍ جديد يفتح الباب للحديث عن عُمق السيولة وحيويَّة التَّداولات.
وحين ننظر إلى حركة السُّوق خلال الشُّهور الماضية، نجد أنَّ الأرقام وحْدَها كفيلة بأنْ تروي قصَّة الثِّقة المُتجدِّدة، فقَدْ تجاوزتْ قِيمة التَّداولات منذُ مطلع عام 2025 حاجز (1.834) مليار ريال عُماني، مسجِّلةً قفزةً بنسبة (143) في المئة مقارنةً بالفترة نَفْسِها من العام الماضي.. تلك القفزة جاءتْ نتيجة تحسُّن مستويات السيولة، وارتفاع حجم المشاركة من مستثمِرِين أفراد ومؤسَّسات، بما يعكس حالة من الحيويَّة المتنامية، ومن بَيْنِ المؤشِّرات اللافتة كذلك أنَّ متوسِّط التداول اليومي بلغ أكثر من (11) مليون ريال، وهو رقم يضع البورصة في موقع مختلف من حيثُ النشاط والعُمق، ويَجِبُ أنْ تتجاوزَ هذه المعطيات قراءتها كأرقام ماليَّة فحسب، فهي مؤشِّرات على دخول السُّوق في مرحلة أكثر نضجًا، حيثُ يتحوَّل الزَّخم المتولِّد من حركة التَّداولات، إلى طاقة دافعة تُعزِّز القِيمة السُّوقيَّة وتدعم قدرة البورصة على أنْ تكُونَ أداة تمويليَّة موثوقة، تفتح المجال أمام الشَّركات والمستثمِرِين لرسمِ آفاقٍ جديدة للنُّمو الاقتصادي، وهنا تبرز أهميَّة الإصلاحات الاقتصاديَّة الَّتي وفَّرتِ البيئة المناسبة لالتقاط هذه الفرصة وتعظيم أثرها.
إنَّ الإصلاحات الاقتصاديَّة ـ الَّتي تبنَّتها سلطنة عُمان خلال الأعوام الأخيرة ـ قد أدَّتْ دَوْرًا جوهريًّا في التحوُّل اللافت بسُوق رأس المال، إذ وضعتْ رؤية «عُمان 2040» أُسُسًا واضحة لبناء اقتصاد متنوع قادر على استيعاب المتغيِّرات، لقَدْ تحوَّلتْ تلك الرُّؤية إلى سياسات عمليَّة شملتْ تحديث التَّشريعات المنظِّمة للاستثمار، وتطوير البنية الأساسيَّة للأسواق، وتعزيز الحوكمة والشفافيَّة.. ومع تزايد ثقة الشَّركات المحليَّة والإقليميَّة في البيئة الاقتصاديَّة ارتفع الإقبال على الإدراج في البورصة؛ باعتبارها منصَّة تمويليَّة جاذبة. فالمشهد لا يقتصر على أرقام التَّداول أو قِيمة المؤشِّر، وإنَّما يمتدُّ إلى صورة أوسع توضح كيف أصبحتِ البورصة رافعةً اقتصاديَّة تُواكب برامج التَّنويع، وتمنح المستثمِرِين نافذةً مباشرة للمشاركة في مشاريع الطَّاقة والصِّناعة والخدمات.. ومن هنا يُمكِن الانتقال بثقة إلى قراءة الأبعاد المستقبليَّة الَّتي تنتظر السُّوق العُمانيَّة في المرحلة المقبلة.
وعَلَيْنا التَّأكيد على أنَّ تجاوز مؤشِّر بورصة مسقط حاجز الـ(5000) نقطة خطوة يَجِبُ قراءتها كإشارة على استعداد السُّوق لمرحلة أوسع من الاندماج الإقليمي والدّولي، حيثُ تتعزَّز الشفافيَّة وتتعمَّق مستويات السيولة، لِتتحوَّلَ البورصة إلى منصَّة استثماريَّة، قادرة على جذب تدفُّقات نوعيَّة من رؤوس الأموال، فالقِيمة السُّوقيَّة الَّتي تجاوزتْ (29) مليار ريال عُماني تعكس ثقة المستثمِرِين، كما أنَّ التوسُّع في الإدراجات وزيادة قاعدة المشارِكِين يُعيدان رسم صورة السُّوق كوجهة استثماريَّة واعدة. ومع التَّوَجُّه العالمي نَحْوَ أسواق أكثر ترابطًا، تصبح بورصة مسقط في موقع يسمح لها بأنْ تكُونَ جسرًا بَيْنَ الاقتصاد الوطني والأسواق الإقليميَّة والدوليَّة، بما يفتح المجال لشراكات جديدة ويُعزِّز مكانة السَّلطنة كمركز مالي واعد، ما يؤكِّد على أنَّ البورصة أصبحتْ أداةً وطنيَّة لدعم النُّمو، وتعبيرًا عن صلابة الاقتصاد العُماني، وقدرته على الارتقاء لمستويات أعلى من التنافسيَّة والاستدامة، وهو مسار يترسخ يومًا بعد آخر ضِمن مستهدفات رؤية «عُمان 2040».