السبت 30 أغسطس 2025 م - 6 ربيع الأول 1447 هـ

أضواء كاشفة : الإنسانية .. مفقودة

أضواء كاشفة : الإنسانية .. مفقودة
الثلاثاء - 26 أغسطس 2025 01:30 م

ناصر بن سالم اليحمدي

160


احتفل العالم مؤخرًا باليوم العالمي للإنسانيَّة وهو يوم خصَّصته الأُمم المتحدة لتكريم الجهود الإنسانيَّة والإغاثيَّة واستذكار الَّذين ضحوا بأرواحهم في سبيل إنقاذ غيرهم، وللتأكيد على قِيمة التضامن الإنساني في مواجهة الكوارث والحروب والأزمات.. في هذا اليوم تتوجَّه الأنظار عادةً إلى معاناة الشعوب المنكوبة، وإلى العمل الإنساني بوصفه رسالة عابرة للحدود تعلو فوق الانتماءات العِرقيَّة والدينيَّة والسياسيَّة لِتؤكدَ أنَّ الإنسان قِيمة عُليا يَجِبُ أن تُصان كرامته في كُلِّ الأحوال.

لكن هذا اليوم يكتسب بُعدًا مؤلمًا حين يُقارن بما يحدُث في غزَّة منذُ شهور طويلة من مأساة إنسانيَّة تتكشف تفاصيلها كُلَّ ساعة.. فالإنسانيَّة الَّتي يُحتفى بها عالميًّا تُنتهك يوميًّا هناك تحت وقع القصف والحصار ونقص الغذاء والماء والدواء وكافَّة متطلبات الحياة.. ملايين من المَدَنيِّين يعيشون تحت تهديد الموت وآلاف الأطفال فقدوا أُسرهم أو بُترت أطرافهم.. والمستشفيات لم تَعُدْ قادرة على استقبال الجرحى.. صوَر الرُّكام والمآسي الَّتي تصل إلى شاشات العالم تعكس فجوة عميقة بَيْنَ المبادئ الإنسانيَّة المعلنة وبَيْنَ واقع يمتلئ بالانتهاكات الصارخة.

إنَّ اليوم العالمي للإنسانيَّة ليس مجرَّد مناسبة للاحتفال أو تبادل الشعارات، بل هو دعوة جادَّة لمراجعة الضَّمير العالمي.. فإذا كانتِ الإنسانيَّة تعني التضامن فأين التضامن الحقيقي مع أهل غزَّة الَّذين يتعرضون لأبشع صوَر الانتهاك لحقوق الإنسان؟ وإذا كانتِ الإنسانيَّة تعني إغاثة الملهوف فلماذا تُمنع قوافل الإغاثة أحيانًا من الوصول إلى مَن هم بأمَسِّ الحاجة إِلَيْها؟ هذه الأسئلة تضع المُجتمع الدّولي أمام اختبار قاسٍ، وتكشف أنَّ الإنسانيَّة ليستْ كلمات تُردّد، بل مواقف تُتخذ وشجاعة تُمارس.

لقد أعلنت الأُمم المتحدة رسميًّا المجاعة في غزَّة وأنَّها تعاني «جوعًا كارثيًّا».. ورغم أنَّ الإعلان جاء متأخرًا بعدما مات الآلاف بسبب الجوع، لكن ما زالت هناك فرصة لإنقاذ أكثر من نصف مليون شخص يواجهون شبح الموت جوعًا.. فالأطفال الَّذين يصارعون الدوار والهزال والضعف العام وعدم القدرة على الوقوف من قلَّة الأكل والشرب يحتاجون إلى انتفاضة وصحوة ضمير عالميَّة توقف هذه المجزرة البشعة الَّتي تجاوزت كُلَّ الحدود الإنسانيَّة.

الغريب أنَّه رغم ما يعانيه أهلنا في غزَّة من جوع وعطش وحصار خانق وسياسة تطهير عِرقي واضحة وضوح الشمس للعيان، يخرج عَلَيْنا رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو بتصريح بأنَّ بلاده لا تستخدم سياسة التجويع!!.. فماذا إذن يسمِّي السياسة الظالمة الَّتي يتَّبعها ويمنع من خلالها الماء والطعام والوقود وكافَّة وسائل الحياة عن أهل غزَّة؟.. ناهيك عن الغارات المتواصلة والَّتي تدمِّر أحياءً سكنيَّة بأكملها والَّتي تدمِّر في طريقها أيَّ أمل لتحقيق الهدنة.

في المقابل تُظهر غزَّة الوجه الآخر المضيء للإنسانيَّة من خلال صمود شَعبها وتكاتفهم في مواجهة المِحنة.. فالجار الَّذي يقتسم لقمة الخبز مع جاره، والطبيب الَّذي يعمل ساعات طويلة تحت القصف لإنقاذ حياة طفل، والمتطوعون الَّذين يخاطرون بحياتهم لإيصال الماء أو المساعدة، كُلُّ هؤلاء يجسِّدون معنى الإنسانيَّة بأسمى صوَرها.. إنَّهم يرسلون للعالم رسالة مفادها أنَّ الإنسانيَّة لا تُقاس بما يقال في المؤتمرات، بل بما يُترجم على أرض الواقع من أفعال وتضحيات.

لذلك فإنَّ الاحتفال باليوم العالمي للإنسانيَّة هذا العام كان يَجِبُ أن يكُونَ مختلفًا.. فلا نكتفي بالكلمات والبيانات، بل كان لا بدَّ أن يتحول إلى صرخة ضمير عالمي من أجْلِ غزَّة.. وإلى دعوة لوقف نزيف الدم ورفع الحصار وتمكين العمل الإغاثي من القيام بِدَوْره بعيدًا عن السياسة والمصالح الضيِّقة.. لأنَّ الإنسانيَّة الحقيقيَّة تُختبر في المواقف الصعبة، وما يحدُث في غزَّة اليوم هو أعظم امتحان للضمير العالمي.

إنَّ اليوم العالمي للإنسانيَّة وضعنا جميعًا أمام مسؤوليَّة أخلاقيَّة هل سنظل نرفع الشعارات ونُقيم الاحتفالات بَيْنَما تُرتكب الجرائم ضدَّ الإنسانيَّة في غزَّة؟ أم سنُحوِّل هذا اليوم والأيَّام القادمة إلى نقطة انطلاق نَحْوَ فعل حقيقي يُعِيد للإنسان مكانته وكرامته؟ الجواب سيحدِّد مستقبل الإنسانيَّة ذاتها لأنَّ إنقاذ غزَّة ليس قضيَّة محليَّة، بل هو معيار يكشف مدى صدق العالم في التزامه بالقِيَم الَّتي يحتفل بها.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني