الجمعة 29 أغسطس 2025 م - 5 ربيع الأول 1447 هـ

في العمق : مع بدء العام الدراسي الجديد.. كيف تصنع المدارس مستقبل الناشئة العُمانية؟

في العمق : مع بدء العام الدراسي الجديد.. كيف تصنع المدارس مستقبل الناشئة العُمانية؟
الثلاثاء - 26 أغسطس 2025 01:22 م

د.رجب بن علي العويسي

170


يعود طلبة التَّعليم المدرسي إلى مقاعدهم الدراسيَّة وسط آمال وطموحات ترسم لأبناء عُمان وبناتها طريق النور وتفتح لهم آفاقً واسعة نَحْوَ مستقبل مشرق، وسلطنة عُمان تشق طريقها نَحْوَ المستقبل بخُطى ثابتة لتحقيق رؤيتها المستقبليَّة «عُمان 2040» في ظل متغيِّرات اقتصاديَّة وسياسيَّة إقليميَّة ودوليَّة تضعها أمام مرحلة تحوُّل شاملة في جعل التَّعليم بوابة المستقبل وطريقها في معالجة هذه التحدِّيات والمتغيِّرات والوقوف على الفرص المتحققة، في ظل ارتفاع أعداد الباحثين عن عمل والمسرَّحِين من أعمالهم وتعزيز دَوْر التَّعليم في إنتاج الوظائف وصناعة الفرص، وما أفصحت عَنْه نتائج طلبة الدبلوم العام ونظام القَبول المُوَحَّد من إرهاصات في بنية التَّعليم وحوكمة الممارسة التَّعليميَّة بالمدارس وتفاصيلها الداخليَّة الَّتي باتتِ اليوم تطرح أجندة عمل متجدِّدة، على مؤسَّسات التَّعليم التحليق بها في سماء الإنجاز أو إعادة توجيهها ورسم معالمها على الأرض لضمان قدرتها على تجاوز التحدِّيات، وترقيَّة البُعد النَّوعي الضَّامن لممارسة هادفة، وفرص منتجة، محطَّة تقرأ في التَّعليم القوَّة الناعمة لصناعة التغيير وإنتاج النماذج.

وبالتَّالي كيف يُمكِن للمدارس أن تصنع في العام الدراسي الجديد روح التغيير في الممارسة التَّعليميَّة وتوجيه بوصلة العمل داخل المدارس وخارجها نَحْوَ الطالب ـ محور العمليَّة التَّعليميَّة ومرتكزها وطريقها لتحقيق غاياتها السَّامية وأهدافها الماجدة، وطموحاتها المتعاظمة؟

إنَّ قدرة المدارس على صناعة التحوُّل الشَّامل وتحقيق هذه الطموحات المُجتمعيَّة المتعاظمة يستدعي ربط هذه العودة بموجهات حكيمة وضوابط أصيلة، وأُطر واستراتيجيَّات محكمة، وأدوات مقننة، وإجراءات وتشريعات ولوائح، تحفظ كفاءته، وتُعزِّز من جودته وتُقلِّل من حجم الهدر والفاقد التَّعليمي الناتج من الخروج عن الأولويَّات، إذ كُلَّما كان التَّعليم أقدر على إدارة أولويَّاته وضبط موارده، وتوجيه أدواته نَحْوَ البحث في العمق، وابتكار اللوازم والوسائل، كان أقدر على التَّعايش مع المتغيِّرات والمستجدَّات، ورسم صورة مشرقة تقرأ في التَّعليم مرحلة متقدمة من الإنجاز النوعي والأداء الخلَّاق، لِتصبحَ ترانيمه الصفيَّة وتفاعلاته الداخليَّة مبادئ حاكمة، تستنهض في نفوس الأجيال العزيمة والإصرار، وتستنطق القِيَم والمبادئ، وتؤسِّس الموهبة، وتبني المهارة وتستحضر المنافسة وتحفظ القِيَم والهُوِيَّة.

وعَلَيْه، فإنَّ قدرة الممارسة التَّعليميَّة على تلمُّس أولويَّات الطالب واحتياجاته والوقوف على أبجديَّات التحوُّل المطلوبة فيها، سوف يَضْمن عامًا دراسيًّا تتَّجه الإرادة فيه إلى تعظيم فِقه الأولويَّات في سلوك الهيئات التَّعليميَّة، الأمر الَّذي سيكُونُ له أثره الإيجابي على أداء المدارس ونتائجها، وترقية محطَّات البناء الداخليَّة وتعظيم جودة الحياة المدرسيَّة عَبْرَ كفاءة الأدوات وإنتاجيَّة الإجراءات والممكنات والمحفِّزات والأُطر الَّتي تتبناها المدارس في سبيل الحدِّ من أيِّ ممارسة تغرِّد خارج السِّرب وتضيّع جمالات الأداء واضعة قانون التَّعليم المدرسي في واجهة العمل وأساس الانطلاقة وروح التغيير. وبالتَّالي إعادة توجيه كُلِّ الممارسات غير المنضبطة التَّوجيه السَّليم، وفْقَ معايير الكفاءة والجودة والمعياريَّة والمنافسة والتنوع والاستدامة والابتكاريَّة وصناعة الفارق وتحقيق الأثر، بالشَّكل الَّذي يَضْمن تحقيق إنجازات نوعيَّة تظهر في توجيه الطموحات المدرسيَّة نَحْوَ صناعة التغيير، وتَبنِّي أجندة عمل واضحة في بناء المهارات وإدارة المواهب، وخلق صورة نموذجيَّة تفاعليَّة للشراكة في الإنجاز مع المُجتمع وكُلِّ الشُّركاء، والاهتمام بجودة التفاصيل التَّعليميَّة الَّتي تصنع للتَّعليم هيبته وتعظِّم مكانته وتعظِّم من استغلال المكوِّن التَّعليمي بما فيه من تفاعلات وخبرات وتجارب وإعادة إنتاجها واستغلالها بما يُعزِّز من جودة الممارسة التَّعليميَّة، فإنَّ كفاءة الممارسة التَّعليميَّة النوعيَّة وجودتها، المرآة العاكسة لحجم التفاعلات الحاصلة في الصندوق التَّعليمي داخل المدارس، ودَوْرها في تعزيز المهارات الناعمة عَبْرَ تشكيل شخصيَّة الطالب وبنيته الفكريَّة والنفسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة وتوفير برامج المحاكاة للواقع وامتلاكه مهارة النقد البنَّاء وتأصيل ثقافة الحوار وقَبول الآخر والعيش المشترك، وطريقة الحصول على الحقوق والوصول إِلَيْها وكيفيَّة أخذها، وتأطير القِيَم والقدوات والأخلاقيَّات والمبادئ السَّليمة واحترام المسؤوليَّات والمهنيَّة في العمل والإنجاز النوعي واحترام العلم وتقدير المعلِّم والعلماء، وانتقاء البرامج واختيار الأنشطة في ظلِّ وعي وحرص، وعِندَها فإنَّ الناتج التَّعليمي المتحقق سيكُونُ أكثر نضجًا وقدرة على صناعة الإلهام وبناء الفرص وأقرب إلى تحقيق أحلام الطلبة ورغباتهم في ظلِّ استشعار الجميع ما يريده الطالب من أجلِ نهضة وطنه وتقدُّمه ومن أجلِ رفع مستوى وعيه بواقعه وقدرته على التَّعامل مع المواقف والسيناريوهات القادمة.

وبالتَّالي أن تُعِيدَ المدارس تشكيل صورة المشهد التَّعليمي في ظلِّ قراءة لطبيعة المهام والطموحات وتشخيص للسُّلوك المُجتمعي الَّذي يرفد المدرسة، بحيثُ تتجه فلسفة العمل نَحْوَ الإعلاء من الممارسة التَّعليميَّة المبتكرة والموجَّهة والَّتي يشارك الطلبة في صناعتها والتثمير في مكوِّناتها وتعكس روحًا تغييريَّة قادمة تصنعها المواهب وتبنيها القناعات وتؤسِّسها الإرادة وترسم معالمها خيوط الإنجاز، وعِندَها تصبح المدارس مختبرات لبناء القدرات الوطنيَّة وإنتاج الحلول التطويريَّة المراعية لظروف الواقع واحتياجات الطلبة والبيئة المحيطة بالمدرسة، بحيثُ تنطلق شرارة البدء في التَّغيير من المدرسة ذاتها مع المحافظة على بقاء إطار المتابعة حاضرًا فيما يتعلق بالسِّياسات والتَّشريعات والقوانين، هذا الأمر من شأنه أن يخلق مزيدًا من التوأمة بَيْنَ المدارس وبَيْنَها وبَيْنَ مؤسَّسات المُجتمع الأخرى، سواء كانتِ الجامعات وغيرها من مؤسَّسات التَّعليم أو كذلك مؤسَّسات المُجتمع الأهلي والقِطاع الخاص ومؤسَّسات الاقتصاد والعمل، كما يُسهم في إذكاء روح المنافسة وتنشيط إنتاج المبادرات التَّعليميَّة الطلابيَّة وتوجيه الاهتمام لأفضل الممارسات التَّعليميَّة بما يسهم في إنتاج حلول جادَّة للتحدِّيات أو رفع سقف الإنتاجيَّة التَّعليمة للمدارس بما يتناغم مع طبيعة كُلِّ مدرسة وخصوصيَّتها وثقافتها وبما يتناغم مع فلسفة التَّغيير والتَّطوير بها.

أخيرًا، تظلُّ المدارس نموذجًا مصغرًا للوطن الكبير، وطن للتَّعايش والسَّلام، والحُب والتَّنمية، وإشاعة مفاهيم الانتماء والولاء للوطن، مدى ما التزمت فِقه الاحتواء، وتعايشت مع منطق الأولويَّات، وعظَّمت من شأن الممارسة التَّعليميَّة المبتكرة، لتؤسِّسَ المدارس من خلال مبدأ الأولويَّات محطَّة للارتقاء بحكمة التَّعامل مع مواردها، وإدارة العمليَّات الداخليَّة في بيئاتها، وإنتاج طُرق أفضل لصناعة النماذج وإنتاجها، وتعظيم بناء السيناريوهات المفتوحة والخيارات المتعدِّدة مع الشُّركاء الاستراتيجيِّين كالأُسرة ومؤسَّسات الإعلام والاقتصاد وأولياء الأُمور والمؤسَّسات الدينيَّة والمهنيَّة ومؤسَّسات المُجتمع الأهلي والمؤسَّسات التشريعيَّة والاجتماعيَّة والأمنيَّة والشُّرطيَّة في تبنِّي آليَّة سدِّ فجوة الاختلال الناتج عن فقدان أحَد أركان النجاح في العمليَّة التَّعليميَّة، باعتماد مداخل عمل متطورة، ترتكز على خطط الاستيعاب والاكتمال والاكتفاء والتَّدوير وتعزيز ثقافة العمل القائم على الشَّراكة والمرونة، وإعادة الهندسة والتَّصحيح في الممارسات، ونقل التَّجارب وتكوين الفرص البديلة؛ إلَّا أنَّ المسألة تتسع في إطار التَّناغم بَيْنَ المحسوسات والنواتج الخفيَّة، عَبْرَ معطيات تقترب من ذهن المتعلم لتكتملَ خلالها الدَّائرة، وتتناغم حلقاتها مع مستهدفات التعلُّم، وجودة مخرجاته، بحيثُ يدخل في منجز الجاهزيَّة والاستعداد الظاهري للعام الدراسي، تعميق جودة التعلَّم ورسوخ المعنى المراد مِنْه، والأهداف الَّتي يسعى لتحقيقها، ومدى تمكُّنها من التأثير في سُلوك المتعلِّمين، وثقافة الممارسين للتعليم، وقناعات المُجتمع بكُلِّ أطيافه، وقراءته لمحور جودة التَّعليم، والرصيد الَّذي يمتلكه في دعم نجاحاته، والقناعات الَّتي يحملها حَوْلَ نوع التَّعليم الَّذي يريد، وهو ما نعتقد بأنَّه سينعكس على سُلوك الطلبة، وعمليَّات التَّوجيه الأبوي، وتصحيح المفاهيم لدَيْه حَوْلَ التعلُّم والدراسة، والمُعلِّم، واليوم الدراسي، والمناهج، وطابور الصباح، إذ من شأن هذه المقاربة النوعيَّة تعزيز هُوِيَّة المُجتمع نَحْوَ التَّعليم، عَبْرَ مؤسَّسات الإعلام، ومبادرات القِطاع الخاص، ومساندة الأهالي لتعلُّم أبنائهم، وما تحمله هذه المعطيات من معانٍ، لها انعكاساتها على صورة التعلُّم القادم لدى الطالب، والاحترازات والدوافع والقناعات الَّتي رسمها في مخيلته، وهو يدخل المدرسة، بما تحمله من محطَّات النَّجاح والتميُّز والمنافسة، وبناء مهارات الدراسة، وتعميق مفهوم التعلُّم النَّشط الَّذي يبرز في سُلوك الطالب كمنطلق للالتزام والوفاء بمتطلبات تعلُّمه، والاستفادة من مساحات الابتكار والإبداع والبحث المتاحة له، والدخول في الأنشطة والمشاركة الفاعلة في بناء التعلُّم الذَّكي، وتوظيف التقنية وإعادة هندسة السُّلوك الذَّاتي في ظلِّ محاكاة للواقع، وتوظيف تراكم المعرفة في تمحيص السُّلوك، لتصبحَ هذه المعاني محطَّات لبناء الشخصيَّة الواعدة، وموجّهات وقواعد للسُّلوك، ومغذِّيات للهُوِيَّة والسَّمت العُماني الأصيل، فهل ستصنع المدارس للممارسة التَّعليميَّة الواعية حضورها في أبجديَّات التَّعامل وأساليب العمل ومواقف التدريس ونمط الخطاب ونواتج المشاركة، وتمنح الطلبة موقعهم في الاختيار والانتقاء وصناعة الأثر؟

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]