السبت 30 أغسطس 2025 م - 6 ربيع الأول 1447 هـ

رأي الوطن : جريمة حرب على مرأى العالم

الثلاثاء - 26 أغسطس 2025 04:30 م

رأي الوطن

170


كشَفَ العدوان الَّذي استهدف مستشفى ناصر في خان يونس الوَجْه العاري للجريمة الصهيونيَّة، حيثُ جرى تنفيذ قصف مزدوج على الطَّابق الرَّابع من أكبر منشأة طبيَّة في جنوب القِطاع، وفي لحظة واحدة سقط أكثر من عشرين شهيدًا بَيْنَهم خمسة صحفيِّين، كانوا يُغطون الحدث بعدسة الكاميرا وكلمة الحقيقة، فتحوَّل المكان من ملاذ للمرضى إلى ساحة دماء تختلط فيها صرخات الجرحى بأصوات الانفجارات.. تلك الصورة المأساويَّة تعكس إصرار الاحتلال على استهداف المنظومة الصحيَّة، الَّتي تترنح منذُ شهور طويلة تحت حصار خانق، ونقص حادٍّ في الدَّواء والمعدَّات، فضرب المستشفى جريمة ممنهجة تحمل رسالة واضحة بأنَّ الاحتلال يتعمد القضاء على أيِّ مساحة آمنة في غزَّة، حتَّى وإن كان مستشفى يفترض أنَّه مكان محصَّن وفْقَ القانون الدولي، كما أنَّ استهداف الإعلاميِّين والمُسعفِين مع المرضى يفضح نيَّة واضحة لإسكات الصوت الحُر وطمس الحقيقة، وتحويل العمل الإنساني إلى مغامرة محفوفة بالموت! إنَّها لحظة تعلن أنَّ الاحتلال ماضٍ في مشروعه الدموي دُونَ اكتراث بردع أو محاسبة، في تحدٍّ صارخ للإنسانيَّة جمعاء.

ومن قلْبِ هذه الصورة الدَّامية تتضح المأساة الفلسطينيَّة في أبعادها الأوسع، إذ لم يَعُدِ العدوان سياقًا متصلًا يستهدف وجود الإنسان، قَبل أنْ يستهدفَ منشآته، فغزَّة اليوم تواجه كارثة وجوديَّة، حيثُ يضرب الاحتلال قلْبَ الحياة المَدنيَّة بكُلِّ تفاصيلها، ومستشفى ناصر يُمثِّل رمزًا لصمود آلاف العائلات الَّتي تبحث عن بصيص أمل في العلاج، فالمرضى الَّذين جاءوا طلبًا للدَّواء وجدوا أنْفُسَهم تحت الرُّكام، وأصوات الاستغاثة الَّتي انطلقتْ من الممرَّات تحوَّلت إلى صدى مكتوم بعد أنْ هوَتِ القذائف فوق الأسرَّة والأجهزة، هذا تراكم لمسار كامل يسعى لاقتلاع الإنسان من أرضه وتحويل الحياة إلى سلسلة متواصلة من المآسي، ما جرى في ناصر يوضح أنَّ غزَّة تستهدف ككيان بَشَري متكامل، حيثُ يقصف الاحتلال المدارس والمخابز والمستشفيات دُونَ تمييز، لِيوَجِّهَ رسالة واضحة تقول بوضوح إنَّه لا مكان آمِن لكم على هذه الأرض، ومع ذلك فإنَّ إرادة البقاء عِندَ الفلسطيني تزداد قوَّة كُلَّما حاول الاحتلال سحقها؛ لأنَّ التجربة صنعت وعيًا جماعيًّا يرى في الصمود فعل حياة يتجاوز حدود الجغرافيا والسِّياسة.

وإذا كان المشهد داخل غزَّة يكشف حجم الجريمة الإنسانيَّة، فإنَّ ردَّ الفعل في العالم العربي يطرح أسئلة عن حدود القدرة على المواجهة، ولم تتوقفِ الصَّدمة الَّتي أحدَثها قصف المستشفى عِندَ حدود القِطاع، وانعكستْ على الشَّارع العربي كُلِّه، حيثُ تعالتِ الأصوات المُندِّدة من المحيط إلى الخليج، وتوالتْ بيانات الإدانة الَّتي صدرتْ عن الحكومات، والَّتي أكَّدتْ رفضها المُطْلق لاستهداف المستشفيات وعدَّته جريمة تُهدِّد الأمن الإقليمي بِرُمَّته، كما تكررتِ الدَّعوات لوقفِ إطلاق النَّار وفتح ممرَّات إنسانيَّة عاجلة. غير أنَّ المشهد يطرح تساؤلات أعمق حَوْلَ جدوى الاكتفاء بالتَّنديد من دُونِ أدوات ضغط فعَّالة.. فالشُّعوب العربيَّة تابعتْ صوَر المستشفى المدمَّر بقلوب يملؤها الغضب، ومع ذلك فإنَّها تدرك أنَّ الاستنكار وحده لا يكفي لإيقاف آلة الحرب. إنَّ الحاجة اليوم إلى موقف عربي أكثر تماسكًا، يَقُوم على استخدام الأوراق السياسيَّة والاقتصاديَّة لإجبار الاحتلال على التراجع. فالقضيَّة تحوَّلت إلى اختبار حقيقي لقدرة النِّظام العربي على حماية الحدِّ الأدنى من الكرامة القوميَّة.

أمَّا على المستوى الدّولي فإنَّ ما جرَى في مستشفى ناصر أعاد تسليط الضَّوء على ازدواجيَّة المعايير الَّتي تحكم النِّظام العالمي، فالمشهد اتَّسم بفيضٍ من التَّصريحات الغاضبة. غير أنَّ وقْعَ الكلمات لم يرقَ إلى مستوى حجم الجريمة، في حين أنَّ الأُمم المُتَّحدة أبدتْ قلقًا عميقًا ودعتْ إلى محاسبة الجناة، فيما عبَّرتْ حكومات غربيَّة عن استنكارها، ودعا بعضها إلى وقفٍ فَوري لإطلاق النَّار، ومنظَّمات حقوقيَّة وصحفيَّة طالبتْ بتحقيق مستقلٍّ، مؤكِّدةً أنَّ استهداف المستشفى يُمثِّل جريمة حرب واضحة، إلَّا أنَّ التَّجربة الطَّويلة مع هذه المؤسَّسات تجعل الفلسطيني يشكُّ في قدرتها على تجاوز حدود الإدانة اللفظيَّة، فالفارق في التَّعامل مع هذه المأساة مقارنةً بأحداث أخرى يكشف ازدواجيَّة المعايير الَّتي تتحكم في القرارات الدوليَّة، حيثُ يتحرك العالم بسرعة حين تمسُّ مصالح قوى كبرى، ويتباطأ عِندَما يتعلق الأمر بحياة آلاف المَدَنيِّين الفلسطينيِّين، ومن هنا تبدو الحاجة إلى خلق ضغط حقيقي عَبْرَ تحالفات سياسيَّة وإعلاميَّة قادرة على كسر دائرة الصَّمت وإجبار العالم على التَّحرُّك الفعلي، القضيَّة لم تَعُدْ مسألة بيانات أو لجان تحقيق، وإنَّما اختبار لإنسانيَّة المُجتمع الدّولي وقدرته على حماية أبسط حقوق البَشَر.