يُعَدُّ الوقف صورة من صور التكافل الاجتماعي، وهو يحقق الأمن الاجتماعي ويقيه من العوز خصوصًا وقت الأزمات، فمن هنا تكمن أهميَّة الوقف. والوقف في اللُّغة هو: الحبس والمنع، فوقف الدابة أي حبسها ومنعها من السير، (معجم مقاييس العرب) وفي الاصطلاح هو: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة على بر أو قربة، فالواقف يخصص شيئًا من ماله لينتفع مِنْه النَّاس إمَّا بشكلٍ مباشر، كأن يستخدم المنزل الموقوف للسكن فيه، أو يأكل النَّاس من ثمار المزرعة الَّتي حبست، أو يشرب من بئر الماء الموقوف، أو قد يكُونُ الانتفاع من الوقف بشكلٍ غير مباشر كأن يستثمر المال الموقوف، وينفق ريع استثماره على الموقوف عَلَيْهم. والأصل في الوقف هو التأبيد، ويقصد بالتأبيد هو استمرار حبس المال الموقوفة إلى ما لا نهاية، فلا تعود لملكيَّة الواقف، ولا يجوز إهلاكها لأيِّ سبب كان، ويَجِبُ الحفاظ عَلَيْها لضمان استمراريَّة الوقف واستدامته، وفاعليته في تنمية المُجتمع.
وحَوْلَ هذا الموضوع أورد مجمع الفقه الإسلامي الدولي على موقعه الإلكتروني الرسمي القرار رقم (181)، الَّذي أصدره في دَوْرته التاسعة عشرة، والَّذي يتعلق بتأقيت الوقف. حيثُ يوضح القرار أنَّ الأصل في الوقف هو التأبيد، أي استمراره إلى ما لا نهاية، ولكن يجوز تحديد مدَّة معيَّنة للوقف إذا اقتضت المصلحة ذلك، مع مراعاة الضوابط الشرعيَّة.
وقد ورد في تفصيل القرار: أنَّ الأصل في الوقف هو التأبيد: حيثُ يرى جمهور الفقهاء أنَّ الوقف يَجِبُ أن يكُونَ مؤبدًا، أي غير محدَّد بمدَّة زمنيَّة، وهذا هو الأصل في الوقف. ولكن يجوز تحديد مدَّة معيَّنة للوقف إذا اقتضت المصلحة ذلك، وهذا ما أفتى به المجمع في قراره. وقد بَيَّنَ المجمع أن يكُونَ تحديد مدَّة الوقف وفقًا لضوابط شرعيَّة، مثل: مراعاة مصلحة الموقوف عَلَيْه، وألَّا يؤدي تحديد المدَّة إلى تعطيل مصلحة الوقف أو الإضرار به. وألَّا يكُونُ هناك تعارض مع نيَّة الواقف الأصليَّة.
كما ذكر تفصيل القرار أمثلة على جواز تحديد مدَّة الوقف: وقف أرض لزراعتها لمدَّة محدَّدة ثمَّ يعود الوقف إلى أصله. وقف مال لإنشاء مشروع لمدَّة معيَّنة ثم يعود الوقف لجهة أخرى. ولهذا القرار أهميَّة في تيسير الوقف وتفعيله، حيثُ يسمح بتحديد مدَّة للوقف في بعض الحالات الَّتي قد لا يكُونُ فيها التأبيد مصلحة للموقوف عَلَيْه أو للوقف نفسه.
ويبَيِّن الدكتور عمر زهير حافظ في كتابه مبادئ الاستثمارات الوقفيَّة صفحة (27) أنَّه: يجوز توقيت الوقف بإرادة الواقف في كُلِّ نوع من أنواع الموقوف، وأوضح أنَّه إذا كان الوقف مؤقتًا بإرادة الواقف يصفى حسب شرطه. وعِندَ انقضائه يتم تصفيته، فإن كان وقفًا بعينه أو وقفًا نقديًّا أو ماليًّا يتم بيعه ويصفى وتعود ملكيَّته للواقف أو الورثة.
والتأقيت في الوقف يناسب الاستثمار في الشركات وفي الأسواق الماليَّة حيثُ تنص القوانين على انقضاء هذه الاستثمارات عِندَ نهاية مدَّتها، والتوقيت يشجع على الوقف طمعًا في الثواب، وتحقيق أغراضه المشروعة ويجنب الواقف تهمة حرمان الورثة من أمواله. كما لا يستلزم التأقيت في الوقف انتهاء المؤسَّسة الوقفيَّة، وإنَّما يستلزم انقضاء صفة الوقف أو الحبس عن المال المعين خصوصًا إذا كانت هذه المؤسَّسة الوقفيَّة ذات أوقاف متعددة بعضها مؤقت وبعضها مؤيد، ويُمكِن أن توقف، ويتم إثبات صفة التأقيت وانقضائها في الصك الوقفي لدى المحاكم الشرعيَّة.
وأنا أتفق مع أنَّ التأبيد في الوقف فهو الأصل، وبالتالي لا يجوز التأقيت إلَّا للضرورة والضرورة تقدَّر بقدرها، وأن يترك تقدير الضرورة للتأقيت لولي الأمر مثل القضاة أو القائمين على الأوقاف، فالتأبيد في الوقف يسهم في استدامة عمليَّة التَّنمية في المُجتمع، والتَّنمية هو الغاية من الوقف، فلا ينبغي التفريط فيه... ودُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.
نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
Najwa.janahi@