نفذت وزارة العدل والشؤون القانونية برامج تدريبية واختبارات اجتياز والتي استهدفت الفئات الرئيسية (الموظفون المفوضون بالحضور، والمرافعة عن وحدات الجهاز الإداري للدولة، والمحامون المتدربون الساعون للقيد أمام المحاكم الابتدائية) في خطوة نوعية نحو تطوير الممارسة القانونية وصقل الكفاءات الوطنية.
وجاءت هذه الاختبارات في إطار تطبيق قانون المحاماة والاستشارات القانونية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (41/2024)، لتؤكد أن العمل القانوني في سلطنة عمان يقوم إلى جانب الخبرة، على التأهيل العلمي والمهني المتواصل والالتزام بمعايير مهنية رفيعة.
وقد خضع أكثر من (300) موظف مفوض و(170) محاميا متدربا لبرامج تدريبية تناولت محاور القانون المدني، وقانون التحكيم، والإجراءات المدنية والتجارية، والقانون الإداري و تطبيقاته والجرائم المرتبطة بالوظيفة العامة، إلى جانب القوانين المتعلقة بالخدمة المدنية وأخلاقيات العمل القانوني، وذلك قبل دخولهم الاختبار الخاص بالقيد في سجل الموظفين المفوضين.
وفي المقابل، شارك ( ١٦٢ ) محاميًا متدربًا في اختبار القيد أمام المحاكم الابتدائية، بعد برنامج تدريبي مكثف شمل قوانين الجزاء والعمل والأحوال الشخصية والإجراءات الجزائية والإجراءات المدنية والتجارية وقانون التجارة والشركات، إضافة إلى البحث القانوني وأخلاقيات مهنة المحاماة، وهي محاور تعكس حجم العناية التي توليها الوزارة لإعداد المحامين وتأهيلهم لخوض غمار المهنة بكفاءة عالية.
وفي هذا الإطار، أوضح الأستاذ سعيد بن سلام العامري، المدير العام المساعد للشؤون العدلية ورئيس لجنة تدريب وتأهيل المحامين، أن هذه الاختبارات ليست مجرد متطلبات إجرائية بقدر ما هي مشروع وطني متكامل يستهدف صناعة محامٍ عماني قادر على ممارسة المهنة وفق أعلى معايير الكفاءة. وقال العامري إن الوزارة حرصت على أن تكون هذه الخطوة منسجمة مع قانون المحاماة والاستشارات القانونية الجديد الذي جاء ليؤسس لمرحلة مهنية أكثر احترافية. مؤكدا على أنه يجري التركيز على مجموعة من الأهداف التي من شأنها رفع كفاءة المهنة وتعزيز مكانتها. ويأتي في مقدمة هذه الأهداف الارتقاء بمهارات المحامين والموظفين المفوضين وقدراتهم في تمثيل جهاتهم أمام القضاء، إضافة إلى توفير الحد الأدنى من المهارات القانونية التي يجب على المحامي امتلاكها، مع التأكيد على تعزيز الالتزام بأخلاقيات المهنة.
ولا شك أن تحقيق هذه الأهداف ينعكس إيجاباً على عدة مستويات، حيث يسهم أولاً في ترسيخ مكانة مهنة المحاماة ومصداقيتها وتعزيز ثقة المجتمع بها، من خلال بناء قطاع قانوني مهني وآمن يضطلع بدوره في حماية المجتمع وتقديم خدمات قانونية رفيعة المستوى. ، كما يساهم ثانياً في تعزيز المنظومة القانونية بشكل عام، عبر رفد القطاع بكوادر مؤهلة فنياً وعملياً وفق أفضل المعايير الدولية. ، أما ثالثاً، فإن الأثر يمتد ليشمل دعم النمو الاقتصادي، من خلال توفير الخبرات والمهارات القانونية التي تحتاجها مختلف القطاعات الاقتصادية.
بهذا النهج المتكامل، يمضي قطاع المحاماة بخطى ثابتة نحو تعزيز دوره في خدمة العدالة، وبناء مجتمع تسوده الثقة والشفافية، واقتصاد يستند إلى بيئة قانونية متينة.
أما المحامي الدكتور مسلم بن سليم التوبي ـ عضو لجنة تدريب وتأهيل المحامين ـ فبيّن أن الوزارة تحركت بسرعة عقب صدور القانون، فلم تكتفِ بالنصوص بل بادرت إلى التنفيذ العملي عبر برامج تدريبية وورش عمل، ثم تبعتها بالاختبارات. وأكد أن الهدف الحقيقي من هذه العملية هو ضمان أن المحامي الذي ينال حق المرافعة أمام القضاء هو محامٍ مدرب، ملمّ بالقوانين، متمكن من أدواته في البحث والتحليل والكتابة. وأضاف التوبي أن هذه الخطوة تسهم في تعزيز ثقة الموكلين بالمحامين، وتجعل المواطن يشعر بأن من يتولى قضيته يمتلك الكفاءة اللازمة للدفاع عنها، وأن كل جهد يُبذل اليوم سيعود بالنفع على الأجيال القادمة.
ومن جانبه، أشاد المحامي سالم بن حارب الشعيلي ـ عضو لجنة شؤون المحامين والمستشارين القانونيين، بالجهود التنظيمية التي صاحبت سير الاختبارات، لافتًا إلى أن الغاية من هذه التجربة ليست محصورة في اجتياز ورقة امتحانية، بل في بناء عقلية قانونية قادرة على التكيف مع مختلف القضايا والاستشارات التي ستُعرض على المحامي مستقبلاً. وقال الشعيلي إن التدريب والاختبار يمثلان معًا مدخلا لتأهيل المحامي على قيم الأمانة والثقة، بحيث يصبح على مستوى التوقعات ويستحق ثقة المجتمع والموكلين. كما دعا المحامين الجدد إلى الاستمرار في الاطلاع على المبادئ القضائية والقوانين السارية، مؤكدًا أن المهنة تتطلب جهدًا متواصلًا واستعدادًا دائمًا للتعلم.
وفي السياق ذاته، أشار فضيلة القاضي مبارك بن حثيث السعدي، عضو لجنة شؤون المحامين والمستشارين القانونيين، إلى أن عددا من الممتحنين الذين تم الالتقاء بهم أبدوا ارتياحهم لطبيعة الامتحان، معتبرين أنه جاء متوافقا متفقا مع المواد والبرامج التدريبية المطروحة، وهو ما يعكس فعالية البرنامج وجودته. وأضاف أن الوزارة تفخر بهذه الكوادر الوطنية التي تخوض هذه المرحلة الانتقالية المهمة، معربًا عن أمله في أن يشكل هؤلاء المحامون إضافة نوعية لمرفق العدالة، وأن يسهموا في دعم القضاء والمحاكم بما يعزز ثقة المجتمع في المنظومة القانونية. وبين أن مستقبل القضاء في سلطنة عمان يظل مرهونا بقدرة المحامين على أداء واجباتهم بمهنية رفيعة وروح وطنية عالية.
أما على صعيد المحامين المتدربين، فقد أوضحت المحامية بشاير بنت صالح القاسمية، أن البرنامج التدريبي كان شاملاً ومتوازنًا، إذ تطرّق إلى أبرز القوانين التي يحتاجها المحامي في بداية مسيرته المهنية، بدءًا من القانون المدني إلى القوانين الجزائية والأحوال الشخصية، مؤكدة أن هذا التنوع في المحاور منح المتدربين فرصة لاكتساب معارف عملية وثقافة قانونية واسعة. وأضافت أن القائمين على التدريب لم يقتصر دورهم على الشرح، بل كانوا متفاعلين مع أسئلة المتدربين واستفساراتهم، الأمر الذي عزز ثقتها وثقة زملائها بالبرنامج. وعن الاختبار قالت القاسمية إنه كان شاملاً لمختلف المحاور التي تمت دراستها، ما أتاح للممتحنين فرصة حقيقية لإظهار جاهزيتهم، مضيفة أن هذه التجربة كانت ملهمة ودافعًا لمزيد من البحث والاجتهاد.
بدوره، أكد المحامي المتدرب مازن بن مسعود الحبسي، أن هذه التجربة كانت فارقة في مسيرته، مشيرًا إلى أن الانتقال من مرحلة التدريب إلى مرحلة المرافعة أمام المحاكم الابتدائية هو حلم يراود كل محامٍ شاب. وأوضح أن البرنامج التدريبي منحه ثقة أكبر بنفسه وزوده بالمهارات العملية التي يحتاجها، كما أكسبه خبرة في إدارة وقته والتعامل مع ضغوط الامتحانات. وأشار إلى أن الاختبار كان مناسبًا ويقيس القدرات الحقيقية، رغم بعض التحديات المرتبطة بضيق الوقت، إلا أن طموحه وزملاءه يتجاوز هذه الصعوبات نحو مستقبل مهني يليق بتطلعاتهم. وأعرب الحبسي عن امتنانه للقائمين على البرنامج، مشددًا على أن هذه الخطوة ستمكّنه وزملاءه من الانطلاق في مسيرتهم المهنية بخطوات واثقة، وأنهم يدركون تمامًا حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم.
والجدير بالذكر أن هذه المبادرات التي تتبناها وزارة العدل والشؤون القانونية لا تقتصر على كونها دورات تدريبية أو اختبارات مهنية، بل تمثل مشروعًا وطنيًا متكاملًا لبناء وتأهيل الكفاءات القانونية العمانية. فهي تسعى إلى إعداد موظفين مفوضين ومحامين متدربين على أعلى مستوى من الكفاءة، بما ينعكس إيجابًا على جودة الخدمات القانونية المقدمة ويعزز من كفاءة منظومة العدالة. إن ما نشهده اليوم هو استثمار استراتيجي في المستقبل، يرسم ملامح جيل قانوني واعٍ وقادر على صون الحقوق، وحماية المصلحة العامة، وترسيخ دولة المؤسسات والقانون، في انسجام تام مع مرتكزات رؤية عُمان 2040 وتطلعاتها.