السبت 30 أغسطس 2025 م - 6 ربيع الأول 1447 هـ

«العدول الحرفـي ودوره الدلالي فـي القرآن الكريم «حرف الثاء نموذجا» «3»

الأربعاء - 20 أغسطس 2025 01:33 م
10

العدول فـي القرآن الكريم وأهم دلالاته البلاغية والتربوية

.. فقد كان أغنى أغنياء الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ الذين ملكوا الدنيا، وعمَّروها، واغتنوا كثيرا، لكنْ، بقيت الدنيا في أيديهم، ولم تدخل قلوبَهم، واستغلوا أموالهم في رضا ربهم، وستر عباده، وتحمل الديات، والمغارم، والأروش، وتزويج الشباب، وتسديد ديونهم، وتجهيز الجيوش الإسلامية، ونشر الدعوة، وكل ذلك فعلوه من غير أن يطلبوا من الآخذين إعادة الأمانة بسبب غناهم، ورحمةً بإخوانهم، وكما فعل سيدنا عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ من تجهيز جيش العسرة كاملًا على نفقته الخاصة، حتى قال له الرسول (صلى الله عليه وسلم):(ما على عثمان بعد اليوم شيءٌ)، كما أنه ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ قد جاء بتجارة كبيرة من الشام، تحملها مئاتُ الجمال، والنوقِ الكثيرة؛ لكثرتها، وتنوع ما تحمله من تجارات متنوعة، فتراكض حوله التجار الكبار، فقال لهم: كم تعطونني؟، قالوا: ثلاثين بالمائة، قال: إني وجدتُ من يعطيني أكثر، فقالوا: نزيدك أربعين بالمائة، فقال: إني وجدت من يعطيني أكثر، فقالوا: من هو؟، نحن التجار جميعًا، ونحن معك، مَنْ منا من يعطيك أكثر؟، فقال: إني وجدت الله يقول: (مَثلُ الذينَ يًنفقونَ أموالهم في سبيلِ اللهِ كَمثلِ حَبّةِ أنبتت سَبعَ سنابلَ في كُلّ ِسُنبلةٍ مائةُ حبّةٍ، واللهُ يُضاعِفُ لِمن يَشاءُ واللهُ واسعٌ عليم)، أشهدكم يا معشر التجار أنها لله تعالى، تُوزَّع على فقراء المسلمين، هي لله رب العالمين، ولم يشأ أن يكسب منها مكسبًا كبيرًا، وعاجلًا، وإنما وهبها للمسلمين؛ ابتغاء مرضات الله، فقال الرسول الكريم: (ربح البيع، ربح البيع)!.

هكذا يكون المسلم مع إخوانه يعطي، ويتفضل، ولكنه لا يتكبر، ولا يظهر نفسه أنه المحسن الأكبر، والمنفق الأجدر؛ عملًا بقوله تعالى:(ومَثَلُ الذين يُنفقونَ أموالهم ابتغاءَ مَرضاةِ اللهِ وتثبيتًا من أنفسِهم كمثلِ جَنّةٍ بربوةٍ أصابها وابلٌ فآتت أُكُلها ضعفينِ فإن لم يُصبها وابلٌ فطّلً واللهُ بما تعملون بصير) (البقرة ـ ٢٥٦).

إن الصدقة إنما تؤتي أكلَها، وتُحدِث أثرها إنْ خرجت سرًّا، ووصلتْ إلى صاحبها إخفاءً، ودونَ علوِّ صوتٍ، أو مجاهرة، (كما يحدث في بعض البلدان) ويقيمون إعلانًا عن وقت توزيعها، وذكْرٍ لاسم صاحبها الذي يجلس على كرسي كبير، مُوَشًّى بالورود، والألوان، والزهور، ويضع المسك الغالي على جسده، ويجلس في مكان ظاهر يراه منه الجميعُ، والآخذون يمرُّون عليه، ويقبِّلون يديه، ويذكرونه بالمحسن الكبير، والمنفق القدير، والرجل الكريم الشهير، ففي هذا إضاعة للثواب، ورياء يمحو القبول، ولا يرضي الله الكريم الوهاب، الذي يحب إخراج الصدقات في خفية، وسِرٍّ كاملين يحافظان على حياء الآخذ، وماء وجه الفقير، يقول الله تعالى:(إن تُبدوا الصدقاتِ فَنِعِمّا هي، وإن تُخفوها وتُؤتوها الفقراءَ فهو خيرٌ لكم ويُكفرُّ عنكم من سيئاتكم واللهُ بما تعملون خَبير) (البقرة ـ ٢٧١)، هكذا جاءت الكلمة في الآية معدولًا بها من حرف الراء إلى حرف الثاء؛ لهذا المعنى الجليل، وتلك القيمة السامية، وهذه الأخلاق العالية:(وأما بنعمة ربك فحدث)، فهذه الثاء المهموسة، الساكنة، الخافتة النبرة، الهادئة النطق، قد حققت معناها، وأبانت عن جمال مقصدها، ومرماها، وعلَّمَتِ الدنيا قيم الإسلام: في صدق العطاء، ومفاهيمه الرائعة، وقد ترجمها الصحابة عمليا؛ ابتغاء مرضاة الله، واستنزال محبته، وقربه، ومودته، ونعماه، جل الله في علاه، وتعالتْ عظمته في أرضه، وسماه!.

د.جمال عبدالعزيز أحمد 

 كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]