بَدَأت الحكاية في القاهرة قبل ثمانية وثمانين عاما، رُزق الحاج إبراهيم بطفل، عند ولادته فتح والده المصحف الشريف ووضع أصابعه على إحدى السور، وقع قلبه على آية (صُنع الله الذي أتقن كل شيء) سورة النمل، فسمّاه صنع الله، إسمٌ له من الفرادة الكثير، الحاج إبراهيم لم يعلم أن (صُنعة) ابنه صُنع الله ستكون الأدب، ما أصعبها وأجملها من صَنعَة، إضافةً إلى عمله في مجال الصحافة، مُزاوجاً بينها والأدب. الصحافة أعطت ذلك الطفل الذي سيغدو شاباً الجُرأة والشجاعة للنزف كتابةً عن المسكوت عنه في زمن التحولات الكبرى التي عاشتها مصر والوطن العربي بشكلٍ عام في ستينيات وسبعينيات من القرن المنصرم، التحولات المتناقضة في الكثير من الإتجاهات والأحداث، نتيجة مواقفه السياسية وإعتناقه الإتجاه اليساري مبكراً تعّرض للإعتقال السياسي وذاق (حلاوة) السجن، أقول حلاوة السجن حيث أنه رغم مرارة الإعتقال كان في زنازين السجن يقرأ بنهم ويتفاعل مع تياراتً فكرية متعددة، لم يتشكى من ظروف سجنه لستة أعوام، بل وصف السجن بأنه جامعته الحقيقية.
تميّزت أعمال صنع الله إبراهيم بالبنية الغرائبية والعبثية في عوالمه واللجنة من أعماله الروائية مثل رواية ذات واللجنة وغيرها، عاش زمن التحولات الأقليمية والعالمية، الشخصيات المأزومة في مجمل الروايات التي أتت إنعكاساً للإستبداد في تلك الفترة وإنهيار الأحلام قبل أن تبدأ، (وفي جوٍ كابوسي خانق يظهر السرد الحياة في مجتمعٍ إستبدادي على وقع تغوُّل العولمة والشركات الكبرى حتى إن شخصيات الرواية ليست سزى زجاجة كوكا كولا) حسب تقرير نشرته البي بي سي، أصدر صنع الله إبراهيم روايته الأولى (تلك الرائحة) (1966) ، لكنها صودرت ولم ُنشر بنسختها الكاملة إلا بعد عشرين عاماً، وهي التي لاقت إنتشاراً كبيراً وقبولاً أكبر(ليس عند الرقابة بالطبع) قبل الموافقة على طبعها، بعد روايته الأولى أصدر رواية (اللجنة) التي تعد أهم رواياته، ومن ثم ذات، التلصص، شرف، وغيرها من الأعمال، أثّر صنع الله إبراهيم في جيلً كامل من الأدباء، وأثّرت أعماله الروائية في بناء وعي مُغاير وفي خلق جيل مقاوم للإستبداد والإمبيريالية الجديدة، مناصراً الفقراء والمهمشين، لم تقتصر كتابات صنع الله إبراهيم على الروايات التي استقاها من الواقع المصري، حيث نشر في العام 1984 رواية (بيروت .. بيروت) والتي نبعت فكرتها نتيجة إقامته في العاصمة اللبنانية بيروت خلال واحدة من هدنات الحرب الأهلية ورواية (وردة) في العام 2000.
خلال مسيرته الأدبية رفض صنع الله إبراهيم الكثير من الجوائز الأدبية التي يركض ويتراكض خلفها الكثير من الكُتّاب ، الذين لن يعلقونها على صدورهم بل ربما ينزعون تلك الصدور ويجعلون الجوائز مكانها ، فعلى سيبل المثال رفض في العام 2003 جائزة الرواية العربية في مصر مبرراً ذلك الرفض برفضه التطبيع مع إسرائيل متهماً إياها بالقتل، برفضه هذا يؤكد على المباديء والأفكار التي عاش معها وبها وناضل من أجلها.
العظماء لا يرحلون مُطلقاً، أعمالهم الأدبية قناديل مُضاءة دوماً، ولأن صنع الله إبراهيم ظلّ على مواقفه النضالية من خلال أعماله الأدبية ومواقفه السياسية ووقوفه مع المُهمشين والمظلومين ، ما أحوجنا اليوم ونحن نعيش في أحلك الأيام إلى ملاكٍ نساني مناضل مثل صنع الله إبراهيم.
ناصر المنجي