قبل أيام أدرت حوارًا أدبيًا في صالون قرّاء المعرفة، نُشر بعد ذلك عبر حسابها على اليوتيوب، فإذا بأحد الأصدقاء يبعث لي رسالة هاتفية قال فيها: «أنت قارئ قاسٍ سواء كنت تقرأ في الأدب أم في القانون»، كلمات بقيت ترن في عقلي لأيام، مؤملًا نفسي أن أجد وقتًا للرد والتعبير عن موقفي، فكتبت الآتي: أخي العزيز، ما كنتُ يومًا قارئًا قاسيًا على وجه السليقة، بل لعلي كنت طفلًا مدللًا في حضرة الكِتاب، أفتّش عن متعة الروح كما يفتش العاشق عن طيف حبيبته في غيهب المنام، غير أن الذي يقرأ لا محالة، يمرض من تكرار السطح، ويشيخ من فرط التصنّع، ويثور على زيف العبارات التي لا تخاطب العقل ولا الوجدان، فكيف للقراءة أن تكون رحيمة في زمنٍ صار فيه المداد حبرًا ملوّثًا بأهواء السوق الرأسمالي؟
حين قلتَ لي: «أنت قارئ قاسٍ سواء كنت تقرأ في الأدب أم في القانون ظننتُ أنني أُتَّهم بتهمة لا تُنكر، فابتسمت، فليس من القسوة أن ترفض الرديء، بل القسوة أن تُصفّق للزيف، وتربت على أكتاف الهشاشة، وتغض الطرف عن تفاهة اللفظ وركاكة المعنى، فالقارئ الذي يربأ بنفسه عن الانحدار مع السوق، هو القارئ الذي يستحق أن يُرمى بقسوة النقّد.
لقد علّمتني القراءة ألَّا أجامل كاتبًا، ولو كان صديقًا، وألَّا أرفع من لا يستحق، ولو كان مشهورا، وألَّا أكتفي بالإعجاب الساذج، بل أطلب من النص أن يقف على قدميه أمامي كما يقف المتهم أمام القاضي: بعينين مفتوحتين، وبحجة دامغة، فالعين التي قرأت لطه حسين لا تقبل إلا البصيرة، والروح التي شبعت من المنفلوطي لا ترضى إلا بالبلاغة الموشّاة بالصدق، والفكر الذي أكل من مائدة السنهوري لا يلين أمام الإنشاء الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
أيها العزيز، لقد أصبح العالم اليوم موبوء بكُتّابٍ لا يقرؤون، وناشرين لا يحترمون الكتاب، وقارئات آليات يُملين على الذكاء الاصطناعي أن يكتب روايات يبيعنها في يوم واحد كما تباع الخضروات على قارعة الطريق، فكيف لي أن ألين؟ أأحنّ إلى قصة كتبتها خوارزمية؟ أم أطرب لمقال صاغه برنامج يكرر ألفاظًا جوفاء دون شعور أو تأمل؟ كلا، وحقِّ ما في اللغة من مجاز وبيان، لن أكون إلا كما علمتني الأيام: قارئًا يُصغي إلى المعنى، لا إلى الهدير، فالقارئ في أصله كائن نبيل، لا يرتوي إلا من النصوص الصافية، ولا يستكين إلا حين يتلاقى الفكر بالحس، والعقل بالعاطفة، كما كان شأن كتّابنا الأوائل، في زمنٍ لم تكن القسوة على الكلمة، بل على الجهل، ولم يكن النقد سلاحًا للهدم، بل مِعولًا لبناء الجمال، ولم تكن السخرية إلا وجهًا من وجوه الفطنة، ولا الفطنة إلا حنكة في تعرية السطحيات. أما اليوم، وقد هجمت علينا نصوص لا طعم فيها ولا رائحة، وصارت الجوائز الأدبية تُهدى لمن يلتقطها لا لمن يستحقها، فلا جرم إن قسوتُ، إذ القسوة في هذه الحال وجه من وجوه الوفاء للأدب، وإنصافا للقانون، وليس القارئ القاسي متعجرفًا أو متكبّرًا، بل هو الطبيب الذي يأنف من وصف الدواء الرديء، وهو المزارع الذي لا يرضى بزرعٍ لا يُثمر، فإن كانت القراءة متعة، فهي أيضًا مسؤولية، وإن كان الأدب إلهامًا، فهو أيضًا محكّ للعقل، وإن كان القانون نصوصًا، فهو روح قبل أن يكون مادة. فاعذرني أخي العزيز إن أنا لم أصفق كما يصفقون، وإن كنت لا أتورع عن القول لهذا الكاتب هنيئًا، ولذاك ارحمنا، ولهذا النص أعد كتابته، ولتلك الرواية اقرئي نفسكِ قبل أن نقرأكِ، ولعل قسوتي - كما تراها - إنما هي محاولة يائسة للنجاة من فيضان الرداءة، وإضاءة شمعة صغيرة في سرداب طويل امتلأ بأشباح تُنسب زورًا إلى الإبداع، فإن كنتَ رأيتني قاسيًا، فإني أرجو أن ترى في قسوتي بوصلة، لا سوطًا، وسؤالًا لا حكمًا، وأملًا لا تهديدًا، فالقرّاء الحقيقيون، في زمن الجوع المعرفي، هم آخر معاقل الصدق، وإن قسى القارئ، فلأنه أحبّ، ومن أحبّ لا يرضى بالسهل الممجوج ولا بالزيف المنمّق.
خليفة بن سيف الحوسني