هل فكرت يومًا أنَّ القوَّة قد تحدث تغيُّرات في دماغ الإنسان؟ وأنَّ المسؤوليَّة أو رُبَّما النفوذ لا يترك فقط أثرًا على سُلوك صاحبه، بل يُعِيد تشكيل طريقة تفكيره، وشعوره، وحتَّى نظرته إلى مَن حَوْلَه؟ حقيقة هذا ليس خيالًا أدبيًّا ولا حكمة قديمة تردِّدها الألسنة؛ بل هو ما أثبتتْه أبحاث عِلم الأعصاب بدقَّة علميَّة لا جدال فيها.
فحين يمنح الإنسان المسؤوليَّة تبدأ دوائر خفيَّة في دماغه بالتَّحرك. في البداية يشعر بالحماسة، بالثِّقة، ورُبَّما بالإلهام. لكن شيئًا فشيئًا، تتحول القوَّة من وسيلة للإنجاز، إلى عدسة تغيّر طريقة النَّظر إلى الآخرين. ففي دراسة من جامعة أميركيَّة، قادها أحَد علماء النَّفْس، تبَيَّنَ أنَّ الأشخاص الَّذين يتمتعون بالمسؤوليَّة أو بالنُّفوذ لفترات طويلة يظهرون انخفاضًا في نشاط مناطق الدِّماغ المسؤولة عن التَّعاطف، خصوصًا ما يُعرف بـالخلايا العصبيَّة المرآتيَّة، وهي الَّتي تجعلنا نشعر بوجع غيرنا، ونفهم الدموع من دُونِ أنْ تقالَ!
والمذهل هنا أنَّ هذا التغيُّر ليس أخلاقيًّا فقط، بل بيولوجي أيضًا. فالصوَر الإشعاعيَّة للدِّماغ تظهر بوضوح أنَّ مَن يعتاد إصدار الأوامر دُونَ مساءلة، تتراجع لدَيْه الإشارات الدماغيَّة المرتبطة بالإحساس الاجتماعي. بمعنى آخر القوَّة، إن لم يراقبها الوعي، قد تبكم صوت الضَّمير بصمتٍ بارد!
من ناحية أخرى، أظهرتْ دراسة نُشرت في إحدى مجلَّات عِلم النَّفْس، وبمتابعة أفراد يشغلون مناصب إشرافيَّة ومواقع تأثير، أظهرتْ أنَّ مَن يطيل البقاء في تلك المواقع غالبًا ما يصبح أقلَّ رغبة في الإصغاء، وأكثر اندفاعًا في اتِّخاذ القرارات، بل ويظهر ميلًا للثِّقة المُفرطة بالرَّأي الشَّخصي. وهذا ليس غرورًا خالصًا، بل ترجمة لعطلٍ طفيف في مناطق التَّقييم العصبي نتيجة الاعتياد على امتلاك القرار!
مع ذلك وفي خضمِّ كُلِّ هذا، لا يفقد الإنسان الأمل. ففي دراسة جديدة وجد أنَّ التَّدريب على الانتباه الواعي والمداومة على الامتنان، وتلقِّي الملاحظات من الآخرين دُونَ دفاع، يُعِيد تنشيط دوائر التَّعاطف والوعي الاجتماعي في الدِّماغ. وعَلَيْه فإنَّ التَّوازن يُمكِن استعادته، بشرط أنْ يملكَ الشَّخص الشَّجاعة للانتباه إلى نَفْسه.
وهنا رُبَّما تقف الحكمة موقف المُرشد: فليس كُلُّ مَن صعَد ارتقى، ولا كُلُّ مَن قاد نجح. يقول أحَد الحكماء: امتحان الإنسان الحقيقي ليس حين يؤذَى، بل حين يُعطي. فحين نعطى القوَّة، يظهر المعدن. فهل سنستخدمها لبناء من حَوْلنا أم لتضخيم ذواتنا؟ هل سنظلُّ نرى في أعْيُن الآخرين مشاعرهم، أم سننكرها لصالح قراراتنا؟
ففي حياتنا اليوميَّة، نمارس نحن كبَشَر أشكالًا مُتعدِّدة من القوَّة والسُّلطة. قد تكُونُ كلمة نوجِّهها لطفلٍ، أو توجيهًا لطالب، أو قرارًا في عمل. وكُلُّ مرَّة نختبر فيها هذا الدَّوْر، نحن أمام لحظة دقيقة من اختبار الإنسان فينا. وهنا حقيقة تتجلى أعظم قيادة: أن تبقَى إنسانًا، حتَّى عِندَما تستطيع أن تفرضَ شيئًا دُونَ سؤال!
ولأنَّ النَّفْس البشريَّة مائلة بالفطرة إلى الإحساس بالقوَّة، كان لا بُدَّ من تربية أعمق. تربية تبدأ من الطفولة، تعلم أنَّ التأثير مسؤوليَّة، وأنَّ القرار لا يُقاس بصوت مرتفع، بل بحسٍّ مرهف وضمير يقظ. وهكذا يبقى قلبُه حيًّا، وضميرُه دليلَه، حتَّى وسط التَّصفيق والقرارات والتأثير.
ختامًا، القوَّة لا تفسد الإنسان، لكنَّها تكشفه. فإن وجد فيها ضوءًا، أضاء به غيره. وإن استسلم لظلِّها، غاب فيه. وهنا، تتجلى أسمى أنواع الوعي وهي أن تملكَ القدرة، وتختارَ الرَّحمة!
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي