الأربعاء 06 مايو 2026 م - 18 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

تاريخ ملوث يعيد إنتاج نفسه

تاريخ ملوث يعيد إنتاج نفسه
الاثنين - 04 أغسطس 2025 01:16 م

إبراهيم بدوي

10


منذُ اللَّحظة الأُولى الَّتي بدأ فيها المشروع الصُّهيوني، وهو يسعى ويعمل على محو القُرى الفلسطينيَّة بالنَّار والرَّصاص. كنتُ أتساءل دائمًا: كيف يستطيع العالَم أن يتعايشَ مع هذا القبح؟ فالمذابح الَّتي ارتكبتْ في الأربعينيَّات ـ دير ياسين، الطنطورة، كفر قاسم ـ لم تكُنْ مجرَّد فصول في كتُب التَّاريخ، لكنَّها كانتْ حكايات الأجداد، وصرخات الفلسطينيِّين الَّتي ما زالتْ تتردَّد في الذَّاكرة العربيَّة. ورغم ذلك شاهدنا كيف غلفتْ آلة الإعلام والسِّياسة الصهيونيَّة تلك الجرائم، بلافتة أنيقة عَبْرَ شعار (حرب التَّحرير)، وهو عار حوَّل القاتل في مُعْظم أركان المعمورة إلى بطل تاريخي يصفِّق له الجميع. واليوم وأنا أتابع غزَّة تُقصف وتُحاصَر حتَّى الموت، أشعر أنَّ الزَّمن لم يتحركْ خطوةً واحدة منذُ المجازر الأُولى، فما يحدُث استمرار لجريمة قديمة، ارتُكبت وتُرتكب نظرًا لغياب الحساب عن مرتكبها، لكنَّ الفارق الوحيد أنَّ الجريمة اليوم موثَّقة بالصَّوت والصُّورة، وكُلّ بيت مهدَّم، وكُلّ جثَّة تُنتشل من الرُّكام تصرخ بالحقيقة، الَّتي حاولوا طمسها لعقود، ومع ذلك ما زال العالَم يمنح القاتل غطاءً سياسيًّا وأخلاقيًّا، ويترك الضَّحايا يواجهون مصيرهم وحْدَهم.

أحيانًا أشعُر أنَّ النِّظام الدّولي صمِّم بعد الحرب العالَميَّة الثَّانية بمواصفات مخصَّصة لقهر الفلسطيني وسرقة حقِّه وحلمِه، وإبقاء الاحتلال في موقع المدافع عن (الأمن) حتَّى مع إداناته. فلعقود طويلة شاهدنا البيانات والتَّقارير والقرارات الدوليَّة الَّتي تتحدث عن السَّلام والعدالة، لكنَّنا كُنَّا نرَى أيضًا كيف تتحول الضحيَّة إلى متَّهم، والجلَّاد إلى رمز للاستقرار. صحيح أنَّ غزَّة عرَّتْ هذه الماكينة بالكامل، وأسقطتْ ورقة توت تُخفي عورة سياسيَّة وأخلاقيَّة أعمق، إلَّا أنَّ التَّواطؤ والتَّخاذل، بمُسمَّى (التَّوازن) بَيْنَ قوَّة احتلال مدجَّجة بالسِّلاح، وشَعب أعزل يبحث عن لقمة خبز لم تغبْ؛ لذا أشعُر أنَّنا أمام مهزلة تاريخيَّة تسقط فيها كُلُّ الأقنعة، فالعدالة كانتْ ولا تزال غائبة، ولا تزال تُدار عمدًا بطريقة تَضْمن استمرار القهر، حتَّى صارتِ القوانين الدوليَّة نَفْسها سلاحًا في يَدِ الأقوياء ضدَّ المستضعفِين.

خلْف القنابل الَّتي تمطر غزَّة كُلَّ يوم، أرَى شبكة مصالح ماليَّة تتغذى على الدَّم الفلسطيني، فمصانع السِّلاح الَّتي تحتفل بارتفاع أسْهُمها مع كُلِّ غارة، شركات التكنولوجيا العسكريَّة الَّتي تجني المليارات من كُلِّ تجربة جديدة لقتلِ الأبرياء، والمقاولون الَّذين يستعدُّون لعقودِ إعادة الإعمار، وكأنَّهم ينتظرون موعد جني الأرباح بعد انتهاء الحصاد.. وأنا أتابع هذا المشهد، يتضح لي أنَّ وقف الحرب ليس قرارًا سياسيًّا معقَّدًا، كما يحاولون إقناعنا، لكنَّها معركة ضدَّ نظام مالي عالَمي لا يعرف الرَّحمة، كُلُّ صاروخ يسقط على غزَّة يعني أرباحًا جديدة في أسواق نيويورك و»تل أبيب» ولندن، وكُلُّ مدينة تُمحَى من الوجود تفتح الباب لمشروعات بمليارات الدولارات، فحرب غزَّة تكشف الوجْه الدَّموي للاحتلال، وتفضح عالَمًا يربح من القتل، كما يربح من البناء بعد الخراب؛ لذا أيقنتُ أنَّه لا مكان للعدالة ولا للإنسانيَّة، فالمكان الوحيد محجوز لأرصدة البنوك وأرباح الشَّركات العابرة للقارَّات. إنَّ قراءة المشهد تُجبرني على الاقتناع بأنَّنا نعيش لحظة انهيار كاملة للقِيَم الَّتي زعم أنَّها تحكم العالَم بعد الحرب العالَميَّة الثَّانية، لم تَعُدِ القوانين الدوليَّة سوى أوراق بلا معنى، ولم تَعُدْ شعارات حقوق الإنسان أكثر من ديكور يغطِّي واقعًا وحشيًّا. وأجدني مضطرَّ نفس الحديث، فالإبادة تُرتكب أمام أنظار الجميع بلا خجل، والعالَم الَّذي يدَّعي الحضارة يكتفي بالمشاهدة والتَّصفيق للجلَّاد، ودعمه بالمال والسِّلاح، لقد تحوَّلتْ غزَّة من مدينة مُحاصَرة تُقصف كُلَّ يوم إلى مرآة تعكس سقوط النِّظام الأخلاقي العالَمي بأكمله، كُلُّ طفل جائع، كُلُّ بيت مهدَّم، كُلُّ إنسان تُرك ليموتَ تحت الرُّكام، شهادة على أنَّنا أمام مرحلة تاريخيَّة فاصلة.. فإمَّا أن تكُونَ هذه الحرب بداية لانتفاضة أخلاقيَّة عالَميَّة، أو نهاية للبَشَريَّة تذكّرني بفيلم أميركي، يصف حالة البَشَر وكيف تحوَّلوا حيوانات دُونَ قِيَم أو أخلاق بعد حرب كبرى! فالحقيقة لم تَعُدْ قابلةً للطَّمس، إمَّا أن تكُونَ وثيقة جديدة للتَّاريخ، أو نهاية للبَشريَّة في صورتها الحديثة، وثيقة تفضح نظامًا دوليًّا بُني على المصالح والدِّماء، فأيُّ إنسانيَّة تلك الَّتي تتواطأ مع الإبادة وتخاف أن تنطقَ بالحقِّ؟

إبراهيم بدوي

[email protected]