الأربعاء 06 مايو 2026 م - 18 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

ابن عربي .. قلب يتسع للجميع

ابن عربي .. قلب يتسع للجميع
الأحد - 03 أغسطس 2025 01:08 م

نبيلة رجب

20


في أيَّامنا هذه، بِتنا نرى التنوُّع حاضرًا في كُلِّ تفاصيل حياتنا، في اللَّهجة، في المظهر، في الطَّريقة الَّتي نحكي بها قصصنا أو نرتِّب بها أفكارنا. وأحيانًا، وسط هذا الزَّخم، نبحث عن خيط رفيع يجمعنا دُونَ أن يلغيَ أحَد منَّا الآخر. ليس لِنشبهَ بعضنا بالضرورة، بل لنجدَ ما بَيْنَنا من مساحة مشتركة نلتقي فيها، كبَشَر. وهنا، كُلَّما قرأتُ عن ابن عربي، شعرتُ أنَّ فكرته عن التعدّد لم تُكتبْ لعصره فقط، بل لنا نحن، بكُلِّ ما نحمله من أسئلة.

ابن عربي، الأندلسي المتصوف، لم يكُنْ يوزِّع شعارات برَّاقة عن الحُب. إنَّما عاشها. حيثُ جعل من المَحبَّة عَيْنًا يرى بها النَّاس والأشياء. رأى في الاختلاف جَمالًا، لا مصدر قلق. كأنَّ العالَم عِندَه لوحة لا تكتمل إلَّا بكُلِّ ألوانها، حتَّى الألوان الَّتي لا نحبُّها أحيانًا.

بَيْته الشَّهير الَّذي أحبُّ ترديده دائمًا:

«لقد صار قلبي قابلًا كُلَّ صورة؛ فمرعى لغزلان، ودير لرهبان...»

توقفتُ أمام هذا البيت أوَّل مرَّة بتمعُّن وأنا في مقهى مع مجموعة من الصَّديقات اللاتي اعتدنا الاجتماع للقراءة الجماعيَّة، وأذكُر أنَّني شردتُ بخيالي قليلًا. ليس لأنَّ المعنى جديد، بل لأنَّه نادر. أن تقولَ للآخر «مكانك في قلبي»، لا لأنَّك تشبهني، بل لأنَّك إنسان، فحسب.

والجميل أنَّ رؤيته هذه لم تقتصر على النَّاس. بل امتدتْ إلى الطبيعة، وإلى الأصوات، وحتَّى إلى الصَّمت نفسه. في عالَمه، المَحبَّة أسلوب عيش. وكُلَّما تصالحتَ مع ذاتك، اقتربتَ من السَّلام الحقيقي.

وإن بدتْ رؤيته صوفيَّة خاصَّة، إلَّا أنَّ كثيرًا من الفلاسفة الكبار ـ كُلٌّ من زاويته ـ اقتربوا مِنْها من حيثُ الجوهر.

جون رولز، مثلًا، لم يكُنْ معنيًّا بالتصوُّف، لكنَّه حين كتَب عن العدالة، وضع احترام التعدُّد والاختلاف في قلبِ رؤيته. كان يرى العدالة طريقة للعيش المشترك، تُمنَح فيها الكرامة لكُلِّ فرد، دُونَ أن يُستثنى أحَد بسبب اختلافه.

الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور حين كتب عن «الاعتراف»، لم يقصدِ المجاملة. بل أن نقولَ للآخر: «أنا أراك. كما أنتَ. ولك مكان هنا». عبارة قريبة جدًّا من صورة القلب المتَّسع عِندَ ابن عربي.

أمارتيا سن، والَّذي كنتُ أنطقُ اسْمَه في السَّابق «أمارتيا صن» لسنوات حتَّى صحَّحتْ لي صديقة هنديَّة النُّطق، الاقتصادي والفيلسوف الهندي الحائز على جائزة نوبل، هو من أولئك المفكرين الَّذين يصعب تصنيفهم في خانة واحدة. قرأتُ له أوَّل مرَّة عن الحُريَّة، لكن ما شدَّني لم يكُنْ تحليله الاقتصادي، بل طريقته في رؤية الإنسان. عاش طفولته بَيْنَ مشاهد الفقر والمجاعة في البنغال، ومع ذلك لم يتحدثْ عن البَشَر كأرقام أو مؤشِّرات، بل ككائنات لها كرامة، وتاريخ، وأحلام معلَّقة.

كان يؤمن أنَّ لكُلِّ واحد منَّا أكثر من هُوِيَّة، جوانب متعدِّدة تُعرِّفنا. ورُبَّما لهذا شعرتُ دائمًا أنَّ شيئًا ما في رؤيته يُشبه قلب ابن عربي: كلاهما يرى في التعدُّد غنى، لا تهديدًا.

هذه الرُّؤى، وإن اختلفتْ في لُغتها، تلتقي في حاجة بَشَريَّة لا تتغير: أنَّ الآخر لا يُقلِّل من وجودي، بل يُضيف إِلَيْه.

وفي كُلِّ مرَّة أمرُّ بتجربة لقاء مع شخص مختلف ـ في فكره أو خلفيَّته ـ أعُود لأسألَ نفسي: هل وسِعني أن أراه كما هو؟ لا كما أريده أن يكُونَ؟

رُبَّما ما نراه اليوم، سواء في بلدي البحرين، أو في بلدي الثَّاني سلطنة عُمان، أو حتَّى في كثير من مُدُننا الخليجيَّة، من تعايش طبيعي بَيْنَ ثقافات وطوائف متنوِّعة، هو ـ لله الحمد ـ صورة حيَّة لما كان يقصده ابن عربي.

ليس سكنًا بلا تواصل، ولا مرورًا بلا معنى، بل حياة نتقاطع فيها بصدق، نتشارك فيها المناسبات والمكان، ونُشبه بعضنا في الروح العامَّة، دُونَ أن نذيبَ اختلافاتنا أو نفرِّط بخصوصيَّتنا.

وزبدة القول: لا نحتاج أن نحفظَ أقوال المتصوفة أو الفلاسفة، بقدر ما نحتاج أن نعيشَها ببساطة. نترك مكانًا شاغرًا في قلوبنا، تمامًا كما فعل ابن عربي. مكانًا لا يُشغل إلَّا بصورة الآخر، كما هو.

ورُبَّما، حين نفتح في قلوبنا مكانًا صادقًا للآخر، نكتشف أنَّ اختلافنا لم يكُنْ عائقًا كما خفنا، بل كان هو الجسر الَّذي عَبَرنا عَلَيْه لنتعرفَ على أنْفُسنا والنَّاس من جديد.

نبيلة رجب

كاتبة من البحرين

[email protected]