عِندَما نقرأ الأرقام الَّتي تُعلنها التَّقارير الاقتصاديَّة عن مساهمة الصِّناعات التَّحويليَّة في النَّاتج المحلِّي للاقتصاد الوطني، نكتشف أنَّ الأمر أوسع من نُمو رقمي. فوصول هذه المساهمة إلى (3.6) مليار ريال في 2024، يُشير إلى تحوُّل هيكلي في بنية الاقتصاد العُماني، هذا التَّحوُّل لا يعتمد على صادرات النِّفط والغاز الَّتي ظلَّتْ لعقودٍ المصدرَ الرَّئيسَ للدَّخل، إنَّما يتحرك نَحْوَ تنويع حقيقي يخلق قِيمة مضافة داخل الدَّولة نَفْسِها. كما أنَّ المنتَجات المعدنيَّة والكيميائيَّة الَّتي تُصدرها سلطنة عُمان اليوم تُمثِّل بداية مشروع أكبر، حيثُ تتحول عُمان إلى مركز صناعي قادر على المنافسة في أسواق الخليج وآسيا، وتُقلّل اعتمادها على العوائد النِّفطيَّة، هذه الأرقام تعكس إرادة سياسيَّة واقتصاديَّة تُحاول إعادة رسم المشهد التَّنموي بما يتوافق مع رؤية «عُمان 2040» الَّتي تضع الاستدامة والابتكار في صميم التَّوَجُّهات الوطنيَّة، حيثُ تسعَى الدَّولة لصناعة مستقبل اقتصادي متوازن، يَضْمن للأجيال القادمة فرصًا أفضل للنُّمو والعمل والاستقرار. ورغم هذا النُّمو الصِّناعي، تظهر أرقام الميزان التِّجاري حتَّى مايو 2025 تحدِّيات لا يُمكِن تجاهلها، فالفائض البالغ (2.45) مليار ريال يبدو جيِّدًا ظاهريًّا، لكنَّه أقلُّ بنسبة كبيرة عن العام السَّابق، وذلك نتيجة انخفاض صادرات النِّفط والغاز بأكثر من (15%)، هذا التَّراجع يكشف هشاشة الاعتماد على الطَّاقة كمصدر رئيسٍ للدَّخل، ومع ذلك فإنَّ استمرار نُمو الصَّادرات غير النفطيَّة بنسبة (7.2%) يحمل دلالات استراتيجيَّة مهمَّة، وهو ما يُشير إلى توسُّع العلاقات التجاريَّة بعيدًا عن النِّفط، حيثُ تصدرتِ الإمارات والسُّعوديَّة والهند قائمة الشُّركاء الرَّئيسين، لِتظهرَ تلك الأرقام مشهدًا جديدًا يعكس إعادة توزيع لمراكز القوَّة الاقتصاديَّة، ويعطي فرصة لإعادة بناء الميزان التِّجاري على أُسُس متنوِّعة وأكثر استقرارًا، ما يتيح للاقتصاد مواجهة التقلُّبات العالَميَّة دُونَ أنْ يتأثرَ بشكلٍ حادٍّ بأسعار الخام.
في موازاة التَّوَسُّع الصِّناعي والتِّجاري، تتحرك السَّلطنة بخُطى واضحة نَحْوَ تعزيز أمنِها الغذائي كجزء أساسٍ من مشروع التَّنويع. منذُ قمَّة الأُمم المُتَّحدة لأنظمة الغذاء في 2021 وحتَّى القمَّة الأخيرة، استطاعتْ عُمان أنْ تحققَ تقدُّمًا ملموسًا جعلَها تحتلُّ المرتبة الثَّالثة عربيًّا في مؤشِّر الأمن الغذائي، هذا الإنجاز جاء نتيجة لاستراتيجيَّات متكاملة تشمل تطوير الإنتاج المحلِّي، وتنويع سلاسل الإمداد وحماية الموارد الطَّبيعيَّة، كما يعكس الاعتراف الدولي بخلوِّ المنتَجات الغذائيَّة العُمانيَّة من الدُّهون المتحوِّلة التزام الدَّولة بالصحَّة العامَّة وجودة الغذاء، وذلك على الرّغم من الاضطرابات في الإمدادات الَّتي يشهدها بسبب النِّزاعات والتَّغيُّر المناخي. ويؤكِّد هذا التَّطوُّر في منظومة الأمن الغذائي وجود حائط صدٍّ يحمي المُجتمع العُماني من مخاطر الاعتماد المفرط على الاستيراد، ويمنح البلاد قدرةً أكبر على التَّحكُّم بمصيرها الغذائي، فالأمن الغذائي هنا ليس سياسة منفصلة عن الاقتصاد، وإنَّما ركيزة أساسيَّة تمنح الاستقرار للمُجتمع وتدعم أيَّ خططٍ تنمويَّة أخرى.
ولا يكتمل الحديث عن التَّنويع دُونَ التَّطرُّق إلى الاستدامة البيئيَّة الَّتي أصبحتِ اليوم جزءًا لا يتجزَّأ من النُّمو الاقتصادي. فالتَّقدُّم في مؤشِّر الأداء البيئي إلى المركز الـ(54) عالَميًّا، والخطط الوطنيَّة للحفاظ على المياه والموارد الطَّبيعيَّة، يعكس وعيًا بأنَّ التَّنمية الاقتصاديَّة مشروع متكامل يُعِيد صياغة علاقة الإنسان بالأرض، وإدارة الموارد المائيَّة بشكلٍ متوازن مع الاحتياجات البيئيَّة والاقتصاديَّة يمنح الاقتصاد العُماني قدرةً على النُّمو دُونَ استنزاف الطَّبيعة، أو ترك أعباء للأجيال القادمة.. فالتَّوَجُّه نَحْوَ الاقتصاد الأخضر يتكامل مع الصِّناعة والتِّجارة والأمن الغذائي لِيشكِّلَ منظومةً واحدة، وما يحدُث اليوم عبارة عن نسيج اقتصادي واجتماعي يحاك بعناية، حيثُ تدعم خيوط الصِّناعة والزِّراعة والتِّجارة والاستدامة البيئيَّة بعضها بعضًا، لِتضعَ عُمان على طريق اقتصاد قوي قادر على المنافسة عالَميًّا وحماية الإنسان والموارد في آنٍ واحد.