نلاحظ في الآونة الأخيرة بَيْنَ اليافعين من شبابنا هذه الكلمات أو الجُمل كتقلُّب المزاج، وأنَّه مكتئب وقَلِق، بل وإنَّ كثيرًا من آباء المراهقين باتوا يستخدمون هذه المصطلحات بكثرة. بالإضافة إلى ذلك، قَدْ يدَّعي الشَّباب أنَّ العالَم أضحى محبطًا أو أنَّهم يشعرون بالاكتئاب بشأن الاختبارات الوشيكة أو ظروف شخصيَّة معيَّنة! ومع ذلك، كيف يُمكِنك معرفة ما إذا كان ابنك المراهق يمرُّ بما يُشير إليه الخبراء الطبيون بـالاكتئاب الشَّديد؟ وواقعيًّا متَى يجِبُ عَلَيْك طلب المساعدة؟
وعَلَيْه، من الأجدى هنا أن نحدِّدَ هذه العبارة، والتعريف المختصر لها. فالاكتئاب حقيقةً قَدْ ننظر إِلَيْه من خلال سوء الحالة المزاجيَّة المزمنة والانفعالات، بالإضافة إلى فقدان الاهتمام أو المتعة في الأنشطة المنتظمة الَّتي تستمرُّ لمدَّة أسبوعَيْنِ على الأقلِّ. وتشمل أيضًا الأعراض الجسديَّة كصعوبة النَّوْم والإرهاق، بالإضافة إلى الأعراض المعرفيَّة بما في ذلك الأفكار المتشائمة للمراهقين حَوْلَ أنْفُسهم والمستقبل، ومشاكل في التركيز، وإصدار الأحكام. ولذلك وللأهمِّية بمكان يجِبُ أن تعيَ الأُسرة أيضًا، بأنَّ الاكتئاب الشَّديد لابنها أو ابنتها هو أكثر من مجرَّد حزن مؤقت أو ردِّ فعل متوقَّع لخسارة أو تجربة مرهِقة!
ولعلَّ الواضح الآن أنَّ مُجتمعاتنا حاليًّا، أصبح الاكتئاب فيها يتزايد بَيْنَ شبابنا. فوجبَ صدقًا النظر لتلك الأسباب بجديَّة مُطلَقة، والَّتي قَدْ تتمثل في أسباب كثيرة، قَدْ يكُونُ مِنْها الضغوط الماليَّة والعزلة الاجتماعيَّة. فإذًا كيف يُمكِن للوالدين أو مقدِّمي الرعاية معرفة متَى يطلبون المساعدة؟ بلا شك، يجِبُ على كلا الوالدَيْنِ، ألَّا يتجاهلا مشاعر ذلك المراهِق أو يقوما بتوبيخ سلوكه الغاضب. بل على العكس، ابدأ بالتواصل مع ابنك أو ابنتك. أخبرهما أنَّك رأيت بعض التغييرات وأنَّك قَلِقٌ بشأنها. وحتمًا إذا كان الشَّاب يُعبِّر عن الصعوبات الَّتي يواجهها، فقَدْ يجد أنَّه من الكافي أن يكُونَ قادرًا على مناقشة صعوباته ومعرفة أنَّ المساعدة متاحة إذا لزم الأمْرُ.
وبالتَّالي إذا لاحظ الآباء تلك التغييرات، يجِبُ ألَّا يكابروا في الموضوع أو أن يهملوه، خصوصًا إذا ما كان ذلك المراهِق يشعُر بالضِّيق أو إذا كانت مشاكله تؤثِّر بشكلٍ كبير على أنشطته وعلاقاته المنتظمة (مِثل الانسحاب من العديد من الأنشطة أو تجنُّب الذَّهاب للمدرسة أو قضاء الكثير من وقتهم بعيدًا عن الأصدقاء والعائلة)، فقَدْ تكُونُ المساعدة الطبيَّة التخصصيَّة ضروريَّة في هكذا حالات.
ثمَّ على ربِّ الأُسرة المسارعة ـ وعلى سبيل المثال ـ بتعديلات نمط الحياة لذلك الشَّاب أو تلكم الشابَّة من خلال تحسين التغذية والتمارين والنَّوْم. بل والمُضي إلى الاستشارة النَّفسيَّة، والَّتي تركِّز بشكلٍ متكرِّر على تحديد وتغيير أنماط التفكير الضارَّة، والَّتي ربَّما قَدْ تنتهي بوصفة طبيَّة مضادَّة للاكتئاب عِند الضرورة. صحيح أنَّه قَدْ يكُونُ من الصَّعب اتِّخاذ قرار بشأن بدء المراهِق بتناول الأدوية المضادَّة للاكتئاب. ولكن ـ بلا شك ـ من المناسب أن يتمَّ الاختيار والاتِّفاق المشترك بَيْنَ المراهِق وأولياء أموره والاختصاصي في بدء ذلك إذا تطلَّب الأمْرُ ذلك.
بطبيعة الحال، وكما يعي الجميع، تحتوي مضادَّات الاكتئاب على مخاطر وآثار جانبيَّة أيضًا كأيِّ دواء آخر، ولكنَّ النقطة الأهمَّ هنا، أنَّه يتمُّ تطبيقها عادةً عِندما لا ينجح العلاج النَّفسي أو في حالات الاكتئاب الشَّديد. ومع ذلك، يجِبُ على الشَّباب الَّذين يستخدمون مضادَّات الاكتئاب أن يَزِنُوا بعناية الفوائد والمخاطر المحتملة للقيام بذلك؛ لأنَّ الاكتئاب غير المعالج هو أيضًا عامل خطر للانتحار!
ولكَيْ نكُونَ واقعيِّين أكثر، إذا كنتَ تشعُر أيُّها الأب بالقلَق من أنَّ ابنتك أو ابنك المراهِق قَدْ يكُونُ معرَّضًا لخطر الانتحار، فخُذِ الأمْرَ على محمل الجِد. اطرح عَلَيْه سؤالًا مباشرًا ـ على سبيل المثال ـ: هل تفكِّر في الانتحار؟ ثمَّ احصل على الدَّعم التخصُّصي في أسرع وقت ممكن، واصطحب هذا الشَّاب أو الابن إلى أقرب قِسم طوارئ!
ختامًا، أجزم هنا أنَّه يجِبُ أن يتمَّ اختيار الأدوية بعناية خاصَّة، وربَّما يجِبُ وصفها ليس فقط لحالات الاكتئاب، ولكن ربَّما أكثر عِندما يعاني الشَّخص من القلَق الشَّديد والهوس. ولعلِّي وبشكلٍ دقيق أؤكد أنَّه من المُهمِّ معرفة ما إذا كانت فوائد الدَّواء تفوق المخاطر. فأيُّ قرار بوصف أدوية مضادَّة للاكتئاب يجِبُ أن يتمَّ اتِّخاذه بَيْنَ المختصِّ والمريض أو وليِّ أمْرِه قَبل وصْفِ الدَّواء وأثناء استمرار العلاج.
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي