لا أعرف كيف أبدأ؟ ولا من أين أبدأ؟ وماذا أكتب؟ ولا بأي الكلمات أعبر؟ ولأول مرة حينما أكتب أجد قلمي يتردد! وتتضارب المشاعر لدي ما بين العقل والقلب، وما بين الواقع والحنين وما بين التعايش والذكرى، وخاصة أنني كنت قد عاهدت نفسي مؤخرا أن احتفظ بأفكاري ومشاعري وأحاسيسي بيني وبين أسرتي. وهأنا أكتب ويخط قلمي أصعب لحظاتي في طي أسطري الحزينة، فكما ذكرت خاصة أنني أعيش تضاربا كثيرا ما بين فكري وقلبي، واحاول جاهدة التعايش مع الواقع. وكل ما أعرفه أنه لطالما هناك خوف بداخلي منذ طفولتي الرائعة والمستقرة، ألا وهو هاجس الفراق والبعد والوداع، فقد كانت هذه الأحاسيس نقطة ضعفي وخوفي الأكبر، ولكن آن الأوان بأن أواجه هذا الفراق وهذا الوداع، هكذا هي إرادة الله، وليس لقضاء الله سوى الاستسلام بإيمان ويقين له. نعم، هكذا شاء الله عز شأنه وجلت قدرته، وهكذا رسم القدر، ولكن أي وداع إنه وداع روح روحي ونبض قلبي أمي الغالية، فقد كان وقع هذا الفراق كالصاعقة على نفسي.
لقد رحلت من كانت ملاذي وملجأي من البشر، ودعتني للأبد، من كانت لي الأب والأم والأخت والابنة والصديقة والمعلمة، فارقتني من أخفيت حزني عنها عندما فارقنا أخي مازن خشية مني أن أعمق حزنها الدفين.
أمي يا نبض قلبي لم أكن أعلم أن هذه الحياة تمضي سريعة، وأن القدر لحظياً، حينها تيقنت أن الدنيا مليئة بالأحزان كما هي مليئة بالسعادة، وأيقنت في يوم فراقك طيلة حياتي بوجودك كانت المشاعر تمشي بخط متوازن، وبعد فراقك اختل هذا التوازن يا حبيبة الروح، نعم، فراقك يا نور عيني يا أمي علمني ذلك.
وجاء صباح يوم الثلاثاء ٢٩/٤/٢٠٢٥م وأنا متلهفة ككل صباح للقائك لأتنفس عطر أنفاسك في التسامح والحب والسلام، ولأقبل جبينك المنور بالرضا والايمان بما قسمه الله لك، ولأحتضن يديك المليئة بالصبر والكفاح ولأقتبس من نور عينيك سهر الليالي ولأتعلم من ابتسامتك الرضا، -هكذا كانت صباحاتي -، نعم رأيتك صباحا ورحلت عنك ظهرا علي أمل اللقاء بك عصرا، ولكن سابقتني اللحظات بالقدر وأصبح هذا اليوم هو التأريخ يوم الحزن العميق لي.
نعم كنت استعد عصرا للذهاب إليك وجاءني الخبر كالصاعقة في رسالة حزينة من شقيق روحي جهاد محتواها (الوالدة في ذمة الله)، وقفت مذهولة أنظر لأبنائي وأبو رقية وهم يقفون لمواساتي وانا ما بين التصديق والتكذيب، متأملة في أعينهم الحزينة باحثة عن تكذيب يقين الخبر، ولكن هذه هي الدنيا وهذا هو القدر ولا مفر منه سوى بالإيمان الصادق والصبر والسلوان.
ومن هنا بدأت المواجهة مع أكثر مخاوفي ألا وهو فراق ووداع الأم، وبداخلي عاهدت أسرتي الجميلة أن لا أصل لمرحلة اليأس والطاقة السلبية، فكما رأوني دائما بالقوة والطاقة الإيجابية هكذا سأكون، وسأحتويهم بالمحبة والدفء والسلام كما أرادت مني حب حياتي، وأوصتني به نبض قلبي أمي. ومن كل ذلك تذكرت قول الشاعر أبو العلاء المعري: وإذا المنية أنشبت أظفارها.. ألفيت كل تميمة لا تنفع، وايقنت أن المعري ليس متشائما كما درسنا في التاريخ والأدب بل كانت ابياته نابعة من واقع الحياة.
وما أعرفه منذ طفولتي وافتخر به أن أمي حبيبة قلبي كانت أولويتي القصوى، حتى على أسرتي الصغيرة الجميلة، وأنا فخورة بهم لأنهم تفهموا ذلك ومنحوني تلك المساحة لأكون قريبة دائماً من جوهرة عمري أمي رحمها الله. هل عرفتم من أمي؟ بكل فخر واعتزاز، هي تلك النبضات التي تسري في وريدي، هي ملكة نساء العالم في عيني، هي كل الحب وكل العطاء، هي من صنعت مني امرأة قوية، هي من علمتني النجاح، هي من كانت مدرسة للصبر والكفاح، وهي قلبي النابض بالحب والعطاء. هي ذلك الفكر الذي يخطه قلمي والذي يرفرف بالسلام، هي حب عنوانه الصفاء والنقاء، أمي إليك كل الحب.
لم تكن أمي كلمة عابرة في لفظي ولم تكن مجرد قلب احتواني بالدفء، أو روح شملتني بالسلام، بل أكثر بكثير، حقا قلمي يعجز ولأول مرة أن أعبر عما يجول في خاطري.
وكيف أستطيع أن أعبر بالقلم وهي كل الحياة وروح الروح، وكيف أعزي نفسي إلا أن أطبطب على نفسي أنها رحلت وذهبت لمن هو أرحم وألطف مني ومن الجميع، يكفي أنها في رحمة الله العظيم اللطيف الواسعة رحمته لكل شيء.
ولكن؟ سأعلم نفسي وللأسف أن أبدأ صباحاتي دون شمسها، وكيف أنهي مساءاتي دون طيفها وضوء قمرها.
أمي رقية رحمك الله يا أجمل صباحاتي وأحن مساءاتي، رحمك الله يا أغلى ما في وجودي، رحمك الله يا روح الروح.
أنا على يقين، لن يستوعب أحد مدى ارتباطي بك وكمية الذكريات التي معك، لن يفهم أحد مدى ارتباطي وتعلقي بك، ولن يعرف أحد كم تحاورنا، وبماذا تحدثنا سوى الله الخالق الواحد الأحد. طيفك يرفرف في سمائي، ونور وجهك يشرق في قلبي، وابتسامتك تطمئن نفسي، وفكرك يهديني للصواب، أمي أنت وأخي مازن الحاضر الغائب في دنيتي.
أمي... غاليتي وحب حياتي برغم كل شيء، وبرغم الفراق والوداع ستظل شمس أخلاقك وكرمك يشرق في حياتي مع كل صباح يتجدد، وسيبقى دفء ومحبة قلبك تنير قمري، وستظل شخصيتك الراقية والمثقفة منبعا لنهر فكري وأخلاقي، أحبك وسأحبك للأبد، وستبقى روحك الجميلة تعيش وتتعمق في داخلي.
رفيف بنت عبد الله الطائية
كاتبة عمانية