الأربعاء 10 يونيو 2026 م - 24 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

«نموذج الصين الجدارة السياسية وحدود الديمقراطية» «2ـ2»

«نموذج الصين الجدارة السياسية وحدود الديمقراطية» «2ـ2»
السبت - 26 أبريل 2025 12:53 م

سعود بن علي الحارثي

20

«لقد تآمر الغرب ووقف بكُلِّ قوَّته وتهديداته وتجييشه للسِّياسات والقرارات والرُّسوم والضَّرائب لوقفِ تقدُّم الصين، وذلك قَبل نصف قرن تقريبًا، ولم ينجحْ في تحقيق أهدافه؛ لأنَّ الصين تمتلك أدوات ووسائل النَّجاح ولدَيْها الإرادة الصلبة والعزيمة الحازمة، أمَّا الأُمم الفاشلة فلن تتمكنَ من التقدُّم خطوة واحدة إلى الأمام؛ لأنَّها افتقدت تلك الوسائل، وظلَّت ترمي بأسباب تخلُّفها لمؤامرات الآخرين، بدلًا من أن تقتفيَ أثَر النَّاجحين وتضعهم نموذجًا لنهضة مستقبليَّة لا تقف أمامها العراقيل مهما كانت..» من مقال لي نشرته هذه الجريدة الغرَّاء (الوطن) في أجزاء عن زيارتي للصين.

يوضِّح الكاتب بأنَّ «الديمقراطيَّة حظيَتْ بسجلٍّ جيِّد على مدار العقود القليلة الماضية»، فالدَول «الغنيَّة والمستقرَّة والحُرَّة كُلُّها ديمقراطيَّة. لكن الديمقراطيَّات كذلك تنطوي على عيوب أساسيَّة رُبَّما تنبئ بحدوث اضطراب سياسي في المستقبل». فما هي هذه العيوب الَّتي مضى «دانييل بيل»، يستعرضها بشكلٍ مفصَّل؟ تظهر تلك العيوب «الجوهريَّة في الديمقراطيَّة بمفهومها الَّذي يقتصر على الانتخابات الحُرَّة والنَّزيهة لقادة البلاد على مستوى القمَّة» في الآتي: أولًا: «طغيان الأغلبيَّة» حيثُ تمارس «أغلبيَّة النَّاخبِينَ سُلطتها في قمع الأقليَّة»، ويُشير الكاتب إلى أنَّ علاج هذه المثلبة يُمكِن التغلُّب عَلَيْها بـ»الاختبارات الَّتي تقيس كفاءة النَّاخب، فنظام الجدارة السِّياسيَّة المطبَّق في سنغافورة يوفر بديلًا عمليًّا». ثانيًا: «طغيان الأقليَّة» حيثُ يتسنَّى «لمصالح الأقليَّة ذات التَّمويل القوي والتَّنظيم الجيِّد أن تشقَّ طريقها ضدَّ مصالح الأغلبيَّة عديمة السُّلطة نسبيًّا... فالجماعات الصَّغيرة ذات الدَّوافع التجاريَّة والأيديولوجيَّة يُمكِنها أن تمارسَ نفوذًا غير متناسب مع صغرها على العمليَّة السياسيَّة». ويُمكِن التَّخفيف من هذا العيب بـ»استبعاد النّخب الغنيَّة من هيئة النَّاخبِينَ». ثالثًا: «طغيان جماعة النَّاخبِينَ»، حيثُ تتبنَّى الحكومات المنتخَبة «سياسات تهدف بشكلٍ عامٍّ إلى خدمة الأغلبيَّة الكبرى من الجمهور الانتخابي». وعلاجه في «تشكيل مكتب حكومي توكل إِلَيْه مسؤوليَّة تمثيل مصالح الأجيال المقبلة»، والَّذين لا يحقُّ لهم التَّصويت، وليس لهم تمثيل سياسي في الحكومة. رابعًا: «طغيان الفرديِّين التنافسيِّين» الَّذين يشوِّهون «منافسيهم لحرمانهم من تأييد النَّاخبِينَ» دُونَ الاستناد إلى «دليل»، فالحملات الانتخابيَّة عادةً ما «تكُونُ سامَّة للغاية» وتفاقم من «النزعات الاجتماعيَّة» على عكس النِّظام القائم على الجدارة الَّذي «يُولي أهميَّة كبيرة للتَّناغم والوئام على النّموذج الكونفوشي...»، وفي الأخير يحكم الكاتب على «الأحزاب السِّياسيَّة» في النُّظم الديمقراطيَّة، بأنها «تعبير عن مصالح جزئيَّة أكثر مِنْها عن المصلحة العامَّة». يؤكِّد «دانييل بيل»، على أنَّ مدرسة الاختيار عن طريق الجدارة تمتدُّ جذورها التَّاريخيَّة إلى عهود قديمة جدًّا، في بلد مثل الصين، فالنِّقاشات حَوْلَ الجدارة السياسيَّة تستند إلى فكرة «ترفيع من يستحقون»، وقد ظهرت في أعقاب تفكُّك النِّظام القائم على النّسب في حقبة الرَّبيع والخريف من التَّاريخ الصيني «770-453» قَبل الميلاد، وانتشرت بسرعة كبيرة خلال حقبة الممالك التجاريَّة». وهي ليستْ ببعيدة عن النَّظريَّة السِّياسيَّة والممارسة الغربيَّة. فقد دافع أفلاطون «بشكل شهير» عِندَما ذكَر بأنَّ «أفضل نظام سياسي هو ذلك الَّذي يتكوَّنُ من قادة سياسيِّين يختارون على أساس قدراتهم المتفوِّقة في التوصُّل إلى أحكام سياسيَّة مدروسة أخلاقيًّا، والَّذين يملكون القوَّة لحُكم الجماعة...». يتناول الفصل الثَّالث من الكِتاب، عيوب «نظام الجدارة السياسيَّة»، دُونَ أن يفوِّتَ الكاتب الإشارة ابتداء إلى ـ أهمِّ مميزات النِّظام الديمقراطي، الَّذي يتوافق مع وجهة نظري الشخصيَّة ـ فأنا أعتدُّ به وآخذه مسوغًا للدِّفاع عن النُّظم الديمقراطيَّة والاختيار عن طريق الانتخابات، عِندَما يُسهم في تقلد قائد غير كفؤ، فيتمُّ انتقاد وتوجيه اللَّوم إلى آليَّة الاختيار على «أساس صوت واحد لكُلِّ فرد»، فالواقع يؤكِّد فعلًا بأنَّ الشعوب «لا تَضْمن لها الديمقراطيَّة الانتخابيَّة وجود قادة رفيعي المستوى في سدَّة الحُكم، ولكن على الأقل يُمكِن للناخبِينَ التخلُّص من حكاَّمهم إذا ما ثبتَ لهم، في نهاية الأمْر، أنَّهم اختاروا خيارًا سيئًا». على غرار مثالب الديمقراطيَّة، يعدِّد «دانييل» عيوب النِّظام السِّياسي القائم على الجدارة في الآتي: أوَّلًا «مُشْكلة الفساد»، الَّذي يستمد دافعيَّته من «فساد القادة السياسيِّين المختارين وفقًا لنظام الجدارة، فإذا كان الشَّعب لا يُمكِنه تغيير حكَّامه فما الَّذي يمنع هؤلاء الحكَّام من السَّعي وراء تحقيق مصالحهم الخاصَّة عوضًا عن مصالح الجماعة؟» ويؤمن الكاتب بأنَّ اعتماد «وكالة مستقلَّة وقويَّة لمناهضة الفساد، وسيادة القانون، وصحافة حُرَّة، ونظام الرواتب المرتفعة...» على غرار ما هو مطبَّق في كُلٍّ من هونج كونج وسنغافورة، تمثِّل أدوات وآليَّات ناجحة في مكافحة الفساد دُونَ اللُّجوء إلى النِّظام الديمقراطي، فيما قدَّم قطر وسنغافورة مثالًا على الدوَل الأقلّ فسادًا، مع أنَّها لا تطبِّق نظام الانتخابات في اختيار القادة. ثانيًا: «مُشْكلة التحجُّر»، فالقيادات المختارة في هذه النُّظم «تتكوَّنُ من نُخب قادمة من خلفيَّة اجتماعيَّة ضيِّقة، الأمْر الَّذي يولد مُشْكلة مفادها أنَّ عمليَّة الاختيار السِّياسي قد تهمل مواهب توجد في شريحة أخرى من السكَّان». ولمعالجة هذه الثَّغرة، ينبغي على الصين «ضم عناصر طموحة ونشيطة تمثِّل المجموعات المهمشة في الوقت الحالي، وترقية أشخاص لدَيْهم خبرات أكثر تنوعًا واختلافًا...». ثالثًا: «مُشْكلة الشرعيَّة»، فعِندَما يستخدم القادة المختارون وفقًا للجدارة، أساليب القمع المفرط في حقِّ المعارضين والمطالبِينَ بحقوقهم والمحتجّين على الأوضاع المعيشيَّة... تطرح حقيقة أنَّ «نظامًا يتمتع بالشرعيَّة لم يكنْ ليلجأ إلى مثل هذه الأدوات...». ويؤكِّد الكاتب على ضمان اتِّخاذ «إجراءات لتوسيع المشاركة السياسيَّة. والتَّعايش مع ممثِّلين طموحين من مجموعات اجتماعيَّة مختلفة...»، سوف تُسهم في معالجة هذا العيب. الكثير من التَّنظيرات السياسيَّة والملاحظات المهمَّة والأفكار الواقعيَّة احتواها هذا الكِتاب القِيَم الَّذي سعَى إلى تقديم نموذج سياسي مُرضٍ وقادر على تحقيق تطلُّعات الشُّعوب في التَّنمية والازدهار، وإعلاء المصلحة الوطنيَّة على ما عداها.

سعود بن علي الحارثي

[email protected]