الأربعاء 06 مايو 2026 م - 18 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

ترامب والمنطق الذي لا يطاق

ترامب والمنطق الذي لا يطاق
الثلاثاء - 22 أبريل 2025 05:28 م

إبراهيم بدوي

10

لماذا هذا الهجوم على كُلِّ خطوة سياسيَّة أو اقتصاديَّة يخطوها الرَّئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب؟ هل هو المسؤول عن الرُّكود العالَمي الَّذي ينهش الاقتصاد منذُ عقود؟ أم أنَّه السَّبب في الكوارث الطَّبيعيَّة والمجاعات والاحتباس الحراري؟ أحَد الأصدقاء المؤيِّدين له بشراسة بعَث لي بهذه التَّساؤلات، وبدلًا من الرَّدِّ، وجدتُ نَفْسي أتساءل: ما سرُّ هذا التَّأييد الأعمى؟ ترامب لم يخدعْ أحدًا؛ بل يسوِّق لِنَفْسِه بصراحة مدهشة، كرجُل أميركي عنصري، يرى أنَّ خير العالَم يَجِبُ أن يعادَ إلى شَعبه، و(بالدراع)، دعواته لاحتلال دوَل، وفرض رسوم، ونهب موارد، واضحة كالشَّمس.. ومع ذلك، تجد له أنصارًا من شعوب هي أوَّل مَن ستدفع الثَّمن، وأحيانًا من فقراء هذه الشُّعوب تحديدًا، وهنا يبدأ العقل في الصُّراخ: هل فقدْنا البوصلة؟ أم قُطعتْ أيدينا الَّتي كانتْ تُمسكُ بها؟

وقفتُ حائرًا بَيْنَ خيارَيْنِ كلاهما يستنزفني: أُجاريه في عبَثِه وأسئلتِه المضحكة المبكيَّة؟ أم أواجهه بأسئلة من نَوع: (بتستفيد إيه من حُبك لترامب؟)، رغم أنَّه لا يربح سوى الفتات من نظام عالَمي ترامبي الطَّابع لا يعترف به ولا بمصالح بلاده. فكرتُ طويلًا، ثمَّ قرَّرتُ الانسحاب، العقل له حدود، والصحَّة النَّفسيَّة سلعة نادرة هذه الأيَّام. أنا الآن في مرحلة لا تحتمل الجدل المجاني، ولا المنطق المرتبك، ولا الدخول في مبارزات فكريَّة مع سيوفٍ من خشَبٍ، قرَّرتُ أن أتعاملَ مع أنصار ترامب ـ ومَن على شاكلتهم ـ كـ(مادَّة ترفيهيَّة) لا أكثر، تمامًا كأنَّك تشاهد عرضًا كوميديًّا رديئًا، تَعْلم أنَّه سخيف، لكنَّك تضحك لأنَّ البكاء لم يَعُد يُجدي، وأنا صرتُ أخاف على ما تبقَّى من عقلي في الثُّلث الأخير من عمري... وأؤمن أنَّ بعض الصِّراعات لا تُكسب؛ لأنَّها بلا عقل، ولا قواعد، ولا حتَّى احترام للمنطق البسيط.

الجنون ليس في أن تدافعَ عن فكرة، بل في أن تدافعَ عن ما يضرُّك، وتناصرَ مَن يسحقُك، وتصفِّق بحماسة لِمَن يسحبُ مِنْك ما تبقَّى من كرامتك، باِسْمِ الوطنيَّة أو المصلحة أو حتَّى (الزَّعامة)، أسمع مَن يؤيِّد أنظمة فاشلة، ويشكو في نَفْس الجلسة من الغلاء وسُوء الخدمات وانعدام الأمان، إنَّه تناقُض صارخ، أليس الأجدر بِك أن تربطَ بَيْنَ السَّبب والنتيجة؟ لكن لا، فهو يَعدُّ النِّظام مِثل فريق الكرة، إمَّا تشجِّعه ظالمًا أو مظلومًا، ولو هبط للدَّرجة الثَّانية، فهو باقٍ على العهد! وأعجبُ أكثر من أولئك الَّذين يعرفون أنَّهم مهمَّشون، لا يستفيدون شيئًا من الأنظمة الَّتي يصفقون لها، ويصرُّون أنَّ لهم رأيًا يَجِبُ أن يسمعَ، رغم أنَّه لا يسمع، ولا يؤثِّر، ولا يحسب له أيّ وزن في دوائر القرار. في النِّهاية، هؤلاء يشبهون جماهير تشجِّع عرضًا لا تشارك فيه، ولا تحصل حتَّى على ثَمَن التَّذكرة. ومع تَراكُم هذا الجنون الجمعي، قرَّرتُ تبنِّي جملة واحدة أصبحتْ درعي وسلاحي وملاذي: (معاك حق)، (إنتا صح)، أقولها وأنا أبتسم، وأنا أرتجف، وأنا أُخفي صراخي الدَّاخلي، مَن يرَى في ترامب بطلًا، بعد كُلِّ ما فعلَه في العالَم، لن تجديَ معه إحصاءات ولا تقارير ولا تحليلات، هو لا يرَى إلَّا ما يريد أن يرَى، ترامب يتعامل مع العالَم كأنَّه مزرعة خاصَّة، أو شركة قابضة، ينهار السُّوق؟ فرصة للشِّراء، تنهار الدوَل؟ فرصة لإعادة الهيكلة، على طريقته. هو لا يؤمن بالشَّفافيَّة، بل يستغل المعلومة، ويرحِّلَ القرار لِيستفيدَ من التَّأجيل، ومع ذلك هناك مِنَّا نحن المتضرِّرين من قراراته، مَن يدافع عَنْه ويُهاجم مَن ينتقده! صدقًا، لا أملك إلَّا أن أبتسمَ وأقول: (أنتَ صح، وفيفا ترامب)، وأحاول أن أنجوَ بسلامي النَّفْسي؛ لأنَّ هذا العالَم لم يَعُدْ يُدار بالمنطق... بل بالصَّوت الأعلى، واليَدِ الأطول، والحماقة المزمنة.

إبراهيم بدوي

[email protected]