الأربعاء 06 مايو 2026 م - 18 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

بين السنوات التي نعيشها... وتلك التي نحياها!

بين السنوات التي نعيشها... وتلك التي نحياها!
الاثنين - 21 أبريل 2025 07:21 م

د. يوسف بن علي الملَّا

30

ندرك جميعا كيف حقق الطب الحديث في القرن الحادي والعشرين نجاحا حقيقيا في إطالة عمر الإنسان. حيث ارتفع متوسط العمر المتوقع عالميا من اثنين وخمسون عاما تقريبا في عام ١٩٦٠م إلى أكثر من ثلاثة وسبعون عاما في عام ٢٠٢٣م، وحسب بيانات منظمة الصحة العالمية. إلا أن هذا الإنجاز الكبير يخفي خلفه تساؤلا جوهريا ألا وهو هل نحيا هذه السنوات الإضافية بصحة جيدة وجودة حياة مقبولة؟ وهنا أتساءل عن جوهر التمييز بين مفهوم العمر الزمني (وهو عدد السنوات التي نعيشها) والعمر الصحي (والذي يعكس عدد السنوات التي نحياها بصحة جيدة، دون أمراض مزمنة أو إعاقات مقعدة) . وللأسف، فإن السنوات الأخيرة من حياة الكثيرين تغلب عليها مظاهر الضعف، والتبعية، والمعاناة. وإذا كان هدف الطب ليس فقط إطالة الحياة، بل تحسين نوعيتها، فإن التركيز- ان استطعت القول - يجب أن يتحول نحو إطالة العمر الصحي ،وليس العمر فقط! بل وإن المفارقة مؤلمة هنا : نعم، لقد طال عمر الإنسان، لكن ألست معي بأن السنوات التي يقضيها في معاناة صحية تزايدت. فبحسب دراسة العبء العالمي للأمراض لعام ٢٠٢٠م، فإن الإنسان يقضي ما يقارب اثنا عشر سنة في حالة صحية سيئة. من أمراض القلب، والتهاب المفاصل، والسكري، والخرف، وصولا للسرطان والذي قد يهمن على هذه الفترة.والصحيح أننا لقد نجحنا في تأخير الموت، لكننا لم ننجح بعد في تأخير الانهيار الصحي الذي يسبقه... وهذه هي حقيقة الإنسان! وعليه يستلزم هذا الواقع تحولا جذريا في فلسفة الرعاية الصحية: من الطب التفاعلي إلى الطب الوقائي.حيث أصبح الطب النمطي المعتمد على نمط الحياة، الذي يرتكز على التغذية الصحية، والنشاط البدني، والنوم الجيد، والتوازن النفسي، والتواصل الاجتماعي، هي بلا شك أساس الوقاية من الأمراض المزمنة في عصرنا هذا. فالغذاء-مثلا - و دون شك، من أقوى أدوات الوقاية. فالأنظمة الغذائية الغنية بالخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة والدهون الصحية، كما في الحمية المتوسطية، ترتبط بانخفاض كبير في أمراض القلب والسرطان وأمراض الأعصاب. حيث بينت دراسة نشرت في إحدى المجلات الطبية بأن الالتزام بأنماط غذائية صحية يقلل من خطر الوفاة لأي سبب بنسبة تصل إلى عشرون بالمائة. أما النشاط البدني المنتظم، فله فوائد لا تقل أهمية كذلك. كيف ولا؟ وممارسة الرياضة، أو حتى المشي اليومي، تساهم في الحفاظ على الكتلة العضلية، وتعزيز وظيفة القلب، وتقليل مقاومة الإنسولين، وتحسين المزاج والوظائف الإدراكية. ورغم توصيات منظمة الصحة العالمية بممارسة ١٥٠ إلى ٣٠٠ دقيقة من النشاط المعتدل أسبوعيا ،إلا أن الالتزام لا يزال ضعيفا عالميا، خصوصا لدى كبار السن.خصوصا أن هنالك مجتمعات تعطي أمثلة واقعية وملهمة. ففي جزيرة أوكيناوا اليابانية، والمعروفة بطول أعمار سكانها، يعيش الكثيرون لما بعد التسعين بصحة وعافية. ويرتبط ذلك بنمط حياة متكامل: نظام غذائي نباتي، وعلاقات أسرية قوية، ونشاط حركي يومي! وعليه لا بد أن يواكب هذا التحول الصحي الذي أذكره هنا، رؤية جديدة ومختلفة في السياسات الصحية العامة. فلابد من الاستثمار في الوقاية، والتثقيف الصحي، وبرامج الكشف المبكر، وتمكين الأفراد من التحكم في مسارهم الصحي قبل ظهور الأمراض. ختاما، إن تمديد العمر الصحي ليس مجرد مهمة طبية، بل هو تحد إنساني وفلسفي وأخلاقي. علينا أن نتساءل صدقا : هل نريد أن نضيف سنوات إلى الحياة، أم حياة إلى السنوات؟ الحياة ذات المعنى لا تقاس بعدد الأعياد التي نحتفل بها، بل بالقدرة على التفكير، والحركة، والتواصل، والعطاء.وربما عندما نعيد توجيه الطب نحو العمر الصحي، نكون قد ربطنا بين العلم والحكمة، وبين التقنية والكرامة الإنسانية.

د. يوسف بن علي الملَّا طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي [email protected]