أتت معدات شرطة عمان السلطانية وعبرت الوادي متجهةً الى المدرسة التي تبعد قرابة النصف الكيلومتر عنه، المدرسة تقع على مجرى وادٍ تتجمع فيه عدة وديان جارفة وبدت كجزيرةٍ معزولة إلا من صراخ وعويل التلميذات، لله الحمد والمنة أن مبنى المدرسة من طابقين، فاحتمى الجميع في الطابق الأعلى، جرفت الأودية ما يقارب الخمسين سيارة من سيارات المدرسات، رحمةً من الله على أهالي القرية أن رؤوس الأودية لم تسقط بها أمطارٌ غزيرة وإلا فإن حجم الكارثةٍ سيكون ما لا يعلمه إلا الله، جاءت الأخبار عن الوفيات في القرى المجاورة، أتت معدات من سلاح الجو العماني والجيش، وهنا أوجه الشكر لهم، هم الذين أثبتوا بالفعل أنهم يدٌ تبني ويدٌ تحمي وأفئدةً تنقذ وتساعد .
***
لن أسترسل في سرد المنخفض كثيراً، ولكن أضع بعض النقاط في هذا المقال البسيط، القاريْ لكتب التراث العماني يكتشف أن سلطنة عمان كانت معرضة للأعاصير والمنخفضات المطرية والزلازل منذ قديم الأزمنة، وبخصوص الأعاصير والمنخفضات كان يشار إليها بعبارة (السيل العرمرم) لأن لفظ الإعصار لم يكن معروفا، ومنذ إعصار جونو تناسلت الأعاصير والمنخفضات فيها، وإن إنشاء سدود كبيرة للحماية من الفيضانات وللتغذية الجوفية ليس عليه أن يكون مطلباً، بل إنه لا بد أن يكون واقعاً فعليّا، ولنا أن نأخذ بتجارب الدول الأخرى في هذا المجال، أتذكر هنا حديثاً جرى بيني وأحد الأصدقاء بعد إعصار جونو عندما سألته عن الإعصار وماهيته لأن ثقافة الأعاصير لا أعرفها إلا من الأخبار فقط ، ولتسهيل الفهم سألني : هل سمعت بالمثل العماني القائل (شرجة ولاقية مهباط )؟ قلت له نعم ولكن ما علاقة الشرجة (الشعاب ) أجاب : الإعصار شرجة ومهباطها الآن عُمان وستكرر، لكنها شرجة في السماء، وصدق فيما قاله ، فكم من إعصار وقع بعده ؟؟.
لله الحمد قوّت هذه الكوارث اللُحمة الوطنية بين أبناء سلطنة عُمان، حيث يهُبّ الجميع للمساعدة والإنقاذ من مسندم إلى ظفار، فليس كل ما يأتي هو بلاء وإبتلاء، فمياه الأودية جرفت الرمال والأحجار وبيّنت المعدن الأصيل والنبيل للإنسان الذي أنجبته هذه الأرض الطيبة، وزادت المخزون الجوفي ولكن لا بد من الإستعداد الضروري لما يخبئه مستقبل الأيام، والحكومة أصدرت قرارات مهمة في هذا الجانب ،أنوّه وأقول: ولكم في جونو وشاهين وغيرهما، عبرةً يا أولي المسؤولية . حفظ الله سلطنة عمان من الكوارث، ونجّى أهلها الطيبين من المِحن والفتن أنه سميعٌ مجيب.
ناصر المنجي
كاتب عماني