كانتْ جدَّتي ـ رحمها الله ـ رغم محدوديَّة تعليمها، تمتلك من الحكمة ما يُربك أكبر مراكز الدِّراسات الاستراتيجيَّة، فقَدْ كانتْ تردِّد دومًا مَثلها الأشْهَر (مفيش شيء يجي من الغرب يسرُّ القلب)، وكأنَّها تلخِّص في جملة واحدة مسار العلاقات الدّوليَّة من حمْلة نابليون لآخر تصريح لترامب، كنتُ أضحك في سرِّي من بساطة العبارة، وأتَّهمها بتأثُّرها بالدّراما المصريَّة، حتَّى كبرتُ ووجدتُ أنَّ جدَّتي ـ دُونَ أن تدري ـ كانتْ تدرِّسني الجيوبوليتيك بنكهة شَعبيَّة مصريَّة خالصة. فالغرب الَّذي جاءنا بالحمَلات الصَّليبيَّة، ثمَّ رجعَ إِلَيْنا باتفاقيَّات سايكس ـ بيكو، ثمَّ غلفنا بصندوق النَّقد الدّولي، لا يزال يُصرُّ على تسويق نَفْسه كحبيبٍ قادم بالورود، بَيْنَما يُخفي خَلْفَ ظهره سلسلة من الحديد، تسعَى إلى تقييد إرادتنا، وإلباسِنا ثوب التَّبعيَّة دائمًا، وإلَّا العصا لِمَن عصَى.
الأغرب أنَّ بعضَ المثقَّفين العرب ـ الله يهديهم ـ يناقشون بحماسة (علميَّة) سؤال الموسم: مَنْ يُسيطر على مَنْ؟ أميركا على الكيان الصُّهيوني؟ أم دَولة الاحتلال على أميركا؟ وكأنَّنا أمام صراع ديوك في حظيرة. في الحقيقة أرَى العلاقة تُشبه زواج المصلحة، فالطَّرفان متفاهمان، يربطهما عَقد خراب شامل، ونتاجه هو جثَّة الحقيقة معلَّقة في سماء غزَّة. فمنذُ زرع هذا الكيان الطُّفيلي، ومشروع النَّهضة العربي يتمُّ دفنُه كُلَّ مرَّة في حفرةٍ جديدة، لا حديثَ عن دَولة مستقلَّة في الشَّرق إلَّا ويأتيك الرَّدُّ عَبْرَ غارة جويَّة أو قرار فيتو. فالغرب الَّذي يتغنَّى بالديمقراطيَّة يغمض عَيْنَه عن طفل فلسطيني تحت الرُّكام، ويفتحها فقط إذا تمَّ تهديد أمْنِ مستوطن في تلال مسروقة، ولا يتعفَّف من سرقة النِّفط، ومصادر الطَّاقة.
إنَّ غزَّة تلك البقعة الصَّغيرة الَّتي أصبحتْ ساحة تصفية حسابات بَيْنَ قوى كبرى، والَّتي يتقسَّم حَوْلَها العالَم، هناك مَنْ يرَى أنَّها معركة بَيْنَ مقاوَمة واحتلال. لكنَّ الحقيقةَ ـ من وجهة نظري الشَّخصيَّة ـ أوسع من ذلك وأكبر؛ فغزَّة معركة على خطوط التِّجارة العالَميَّة، على مستقبل طريق الحرير، على الدَّوْر المصري، وعلى موقع الشَّرق الأوسط في خريطة العالَم الجديدة.. أميركا ـ في لحظة ترامب الهستيريَّة ـ حلمتْ بإدارة غزَّة كمنطقة حُرَّة لردعِ الصِّين، والقضاء على طموحات طريق الحرير، بَيْنَما دَولة الاحتلال تنفِّذ المُهِمَّة بـ(قنابل ذكيَّة) تفتكُ بأطفالٍ أذكياء، وتحصد أرواحهم بِدُونِ رادعٍ من ضمير، ومصر رغم ضغوطها، تدافع بكُلِّ ما أوتيتْ من قوَّة، فهي تَعْلَم أنَّ أمْنَها الاقتصادي على المحكِّ، فالحديث عن ممرَّات بديلة لقناة السويس ليس نكتة، بل تهديد مباشر سيجعل الموازنة العامَّة مِثل شاي جدَّتي في آخر الشَّهر، خفيف وبلا طعم. بل قَدْ يكُونُ (كارف)، أي ممزوج بطعمٍ آخر من مُكوِّنات الخزانة.
ووسط هذه الكارثة، يخرج عَلَيْنا مَنْ يتغنَّى (بالمصلحة القوميَّة) في التَّطبيع، وكأنَّ بيعَ القدس سيُدخلنا العصر الذَّهبي، وسيجعلنا أكثر رفاهيَّة! فهناك دوَل قرَّرتْ أن تكُونَ (شهود زور) على المجازر، تفرش السجَّاد الأحمر لقاتلِ أطفالٍ، ثمَّ تسأل ببلاهة: لماذا يكرهوننا؟! ففلسطين، يا جماعة، ليسَتْ مجرَّد قضيَّة، إنَّها آخر اختبار لإنسانيَّتنا، وكُلَّما فشلنا فيه، اقتربنا أكثر من أن نُصبحَ مجرَّد (كائنات ناطقة)، بلا روح، تردِّد التَّعليمات الغربيَّة.. وهنا أعُودُ لجدَّتي الَّتي كانتْ تقول لي: (اللي يبيع أهله، عمره ما هيشتري كرامة)، وها أنا أصدِّقها اليوم أكثر من أيِّ وقتٍ مضَى. فَلنقلْها بوضوح: نحن لا نطلب حربًا، لكن نطلب ألَّا نكُونَ ديكورًا في مشهد استعماري طويل... نهايته معروفة، لكنَّها ـ للأسف ـ تُعاد بإخراج سيء وتمثيل رديء، وابن العلقمي سيكُونُ أوَّل المذبوحِين.
إبراهيم بدوي