الأربعاء 28 فبراير 2024 م - 18 شعبان 1445 هـ
أخبار عاجلة

عسكرة الأزمات وقواعد الاشتباك

عسكرة الأزمات وقواعد الاشتباك
الاثنين - 12 فبراير 2024 05:23 م

أحمد صبري

20

ونحن نتابع مجريات وتطوُّرات الحروب والأزمات الَّتي يشهدها العالَم وتحديدًا في منطقتنا، برز مفهوم أو مصطلح (قواعد الاشتباك) كتعبير عن المسار الجديد لمخرجات الحروب الَّتي نشهد صفحات جديدة مِنْها، لا سِيَّما إبلاغ أحَد الطرفيْنِ المُتحاربَيْنِ بموعد شنِّ الضربات على أهداف مرسومة ومتَّفق عَلَيْها تفاديًا للخسائر بالأرواح، كما هي رسائل للطرف الآخر كما تزعم الولايات المُتَّحدة و»إسرائيل» وأطراف أخرى في تعاطيها مع هذا المفهوم.

وعِندما نرصد هذا المسار الجديد في الحروب والأزمات نتوقَّف عِند ما يجري في لبنان كنموذج لهذا المصطلح من مناوشات وضربات متبادلة بَيْنَ حزب الله اللبناني والجيش الإسرائيلي، في محاولة لرسم خطوط ومساحة الاشتباك من دُونِ الدخول بحرب شاملة لا يرغب أحَد الطرفَيْنِ أو كلاهما الانخراط بها تحسُّبًا من أن تجرَّ طرفَي المعادلة إلى نفَقٍ عسكرة الأزمات، وهو نفَقٌ يتطلب وفقًا لقواعد الاشتباك أن تتجنبَ الدخول بالمحذور.

والحرب العدوانيَّة، الَّتي يشنُّها جيش الاحتلال الإسرائيلي على الشَّعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة، خير دليل على أنَّ هذا العدوَّ لَمْ يرعوِ حتَّى من أبسط متطلبات قواعد الاشتباك، وواصل عدوانه الَّذي دخل شهره الخامس.

وأمام هذا المشهد الجديد الَّذي بانَتْ ملامحه للعيان بعد تبدُّل قواعد العمل أو الاشتباك ـ إن جاز التعبير في المشهد الإعلامي ـ يبقى الصحفي يضطلع بمُهِمَّة راقية رغم أنَّها صعبة ومحفوفة بالمخاطر، إلَّا أنَّها بذات الوقت مُهِمَّة نبيلة وراقية لأنَّ الصحفي هو العَيْنُ والرَّاصد لِمَا يَدُور حَوْلَه، وبالتَّالي فإنَّ هذا الدَّور يؤهِّله أن يكُونَ موجّهًا للأحداث واتِّجاهاتها شريطة أن يراعي موجبات العمل. الصحفي ليس كمحايد وشاهد زور، وإنَّما كشاهد حقيقي على الجرائم الَّتي تُرتكب بحقِّ المَدَنيِّين الَّتي فاقَتْ حدَّ التصوُّر كما يجري في غزَّة.

وبَيْنَ عسكرة الأزمات وقواعد الاشتباك تبرز الحاجة إلى تجسير الهوَّة بَيْنَ المفهومَيْنِ، في محاولة للتعرُّف على مسار كُلٍّ مِنْهما من تطوُّرات الحرب أو الأزمات الَّتي نعيشها. فعسكرة الأزمات باتَتْ لدى بعض الأطراف الوسيلة الَّتي تُحقِّق الغايات عَبْرَ استثمارها في ميزان كفَّة الميدان من خلال إخراج الطرف الآخر من عمليَّة الصراع، وتحقيق النَّصر في حالات عدَّة شهدها العالَم.

أمَّا في حالة قواعد الاشتباك في الحروب فإنَّ اللاعبينَ في ميدانها يتحكمون زعمًا ومواربةً باتِّجاهاتها بعيدًا عن الأضرار بالإنسان الَّذي يتحوَّل إلى حطبٍ في نيران الصراع على الرغم من أنَّ قواعد الاشتباك تحوَّلت إلى سلعة يُخفي أصحابها نيَّاتهم العدوانيَّة كما في غزَّة.

وعمليَّة القتل المبرمج في فلسطين وساحات أخرى تُشير إلى أنَّ لعبة القتل، كما في قواعد الاشتباك، هي خداع وكذب لتمرير استهداف الكثير من المعنيِّين بأُفق هذا الخيار الَّذي تحوَّل إلى أداة للقتل المبرمج.

واستنادًا إلى ما تقدَّم فإنَّ أهداف كلا المفهوميْنِ واحدة وهي مزيدٌ من القتل المبرمج والاستحواذ على الخصم، سواء كان مبرمجًا في قواعد الاشتباك الجديد أم في تحويل الأزمات والحروب إلى عسكرتها رغم الثَّمن الباهظ الَّذي يتحمَّله المولعون بهذه اللعبة القذرة الَّتي نالت من أرواح الأبرياء الكثير ودفع العالَم أثمانًا باهظة.

أحمد صبري

كاتب عراقي