رغم تعيينه أغلبيَّة من أعضاء المحكمة العُليا من أنصاره في فترة رئاسته الأُولى السَّابقة، إلَّا أنَّ الرَّئيس الأميركي دونالد ترامب ضاق ذرعًا بالقضاء ودخل في صراع معه منذُ اليوم الأوَّل لِتوَلِّيه مهامه. بدءًا من فصْلِ مَنْ قاموا بوظائفهم في أكثر من ثلاثين قضيَّة ضدَّه من رجال النِّيابة والادِّعاء العامِّ إلى ما يحدُث الآن من تحدِّيه لأحكام قضائيَّة تنقض بعض قراراته لعدَمِ قانونيَّتها. وبدأتْ حرب واضحة بَيْنَ القضاء والسِّياسة حيثُ يريد الرَّئيس تنفيذ ترحيل مهاجرين قضَتِ المحاكم برفض قرارات ترحيلهم لعدم قانونيَّتها. وهناك كثير من الدَّعاوى المرفوعة ضدَّ قرارات وأوامر تنفيذيَّة للرَّئيس يُمكِن أن تبطلَ كثيرًا من سياساته الجذريَّة. ويتَّهم ترامب القضاة علنًا بأنَّهم «يقفون ضدَّه» وبالتَّالي ضدَّ مصالح البلاد. ويوزِّع الاتِّهامات عَلَيْهم فهذا ليبرالي وهذا يساري ويكاد لو يستطيع أن يُلغيَ القضاء كما ألغى وزارة التَّعليم وإدارات حكوميَّة أخرى. صحيح أنَّ الرَّئيس الأميركي وأركان إدارته يستهدفون كثيرًا من مُكوِّنات الدَّولة التَّقليديَّة بشعار أنَّها «مؤسَّسات الدوَل العميقة» الَّتي تعيق انطلاق أميركا مُجدَّدًا، ويلقون تشجيعًا من قِطاع عريض من الجماهير الأميركيَّة المؤيِّدة لهم. لكنَّ الحرب على القضاء لا تقتصر تبعاتها على السِّياسة، فالقضاء وإنفاذ القانون أمْر أساس للحفاظ على السِّلم الاجتماعي وضمانة الشُّعوب لِتَحقيقِ العدالة في تفاصيل حياتهم ونشاطاتهم اليوميَّة.
اعتدنا على اعتبار القضاء أحَد أضلُع السُّلطة والنِّظام في أيِّ مُجتمع، هكذا تعيش البَشَريَّة منذُ عرفنا التَّاريخ. هناك سُلطة تنفيذيَّة تتمثل في الحكومة والإدارة وسُلطة تشريعيَّة تتمثل في مجالس النوَّاب ومجالس الشُّورى وسُلطة قضائيَّة تحمي القانون وتنفيذه وتفصل بَيْنَ السُّلطات وفي أمور النَّاس حين يختلفون. طبعًا كنَّا في السَّابق نَعُدُّ الصّحافة «سُلطة رابعة» تكمل المربَّع مهمَّتها إخبار النَّاس حتَّى بما لا ترغب السُّلطة التَّنفيذيَّة أن يعرفوه كوسيلة محاسبة، وفي الاتِّجاه الآخر تنقل نبض النَّاس العاديَّة لأركان السُّلطة الثَّلاثة الأخرى. لكن للأسف تدهوَر هذا الدَّوْر فلم تَعُدِ الصَّحافة ـ إلَّا فيما ندَر ـ تَقُوم بهذا الدَّوْر، على الأقلِّ ليس كما يَجِبُ. وهكذا تحوَّل المربَّع إلى مثَّلث أضلُعه السُّلطات الثَّلاث. كما حدَث التَّغوُّل من السُّلطة التَّنفيذيَّة على الصحافة ودَوْرها، ولا بُدَّ من الاعتراف أنَّ الصّحافة أدَّتْ أيضًا دَوْرًا في تراجع مكانتها، يجري الآن التَّغوُّل على القضاء. وإذا كانتْ وسائل التَّواصُل وتطبيقات الإنترنت، خصوصًا على الهواتف المحمولة، سدَّتْ قدرًا من فجوة تراجع دَوْر الصّحافة، إلَّا أنَّ سُلطة القضاء لا يوجد ما يسدُّها. ففقدان الثِّقة في القضاء وهيئات إنفاذ القانون يعني الفوضى وأن يجدَ النَّاس أنْفُسهم أمام خيار أن «يأخذوا حقوقهم بأيديهم» ويغلب منطق القوَّة على الحقِّ والعدل.
تلك وصفة أكيدة لانهيار المُجتمعات من داخلها، سواء أدركتِ السُّلطات التَّنفيذيَّة تبعات ما تفعله أم لا. المُشْكلة أنَّ الأمْر ليس قاصرًا على الولايات المُتَّحدة، القوَّة العظمى الأولى في العالَم والَّتي تدَّعي أنَّها قلعة الحُريَّة والديموقراطيَّة. فها نحن نرَى السُّلطة التَّنفيذيَّة في تركيا تفصل نقيب المحامين في اسطنبول وتحلُّ مجلس النّقابة؛ لأنَّ أعضاءها ندَّدوا باغتيال صحفيِّين في مناطق سيطرة القوَّات التُّركيَّة في سوريا. صحيح أنَّ الفصل والحلَّ تمَّ بأمْر قضائي، لكن لا يخيَّل على أحَد أنَّه قرار سياسي. ولا يختلف أيضًا عن إقصاء المنافس السِّياسي زعيم المعارضة ورئيس بلديَّة اسطنبول حتَّى لو كان يحاكم قضائيًّا. فهذا تسييس خطير للسُّلطة القضائيَّة واستخدامها في منافسات سياسيَّة. حتَّى حكومة الاحتلال «الإسرائيلي» لم تَعُدْ تُطيق معارضة المدَّعية العامَّة، المستشارة القانونيَّة للحكومة، على قراراتها الَّتي تنتهك القانون فقرَّرتْ إقالتها من منصبِها. وسبَق أن حاول رئيس حكومة الاحتلال الحالي إلغاء المحكمة العُليا أو تقليص سُلطتها، لكنَّ السُّلطة التَّشريعيَّة (البرلمان) حالتْ دُونَ ذلك، على الأقلِّ مؤقتًا. ومن بولسونارو سابقًا في البرازيل إلى ميلي حاليًّا في الأرجنتين وحكومات كالهند وغيرها نجد حملات من السُّلطة على القضاء وهيئات إنفاذ القانون أو تدخلات تنتقص من مكانتها في المُجتمع. حتَّى في الديموقراطيَّة البريطانيَّة الرَّاسخة، حاولَ رئيس الوزراء السَّابق بوريس جونسون النَّيل من القضاء، لكنَّه تمَّ «فرملته» تمامًا، بل وانقلبتِ الآية عَلَيْه وأُدينَ وحُوكم وفي النِّهاية اضطرَّ للاستقالة.
وتتزايد محاولات تسييس القضاء وسُلطات إنفاذ القانون في بُلدان كثيرة بدرَجاتٍ مختلفة. ولا تدرك السُّلطة التَّنفيذيَّة، بتفكيرها الآني والَّذي يخدم مصالح تيَّار سياسي بِعَيْنه طالَما وصلَ إلى السُّلطة، أنَّ ما تفعله إنَّما ينخر في واحد من أهمِّ أعمدة الحفاظ على المُجتمع. أمَّا خطورة ما يجري الآن في الولايات المُتَّحدة فهو أنَّ ما يفعله الرَّئيس ترامب وفريقه يشجِّع غيرهم حَوْلَ العالَم ليحذوا حذوهم، ومَنْ كان يخشَى لومًا في تغوُّله على القضاء وسُلطات إنفاذ القانون لن يتردَّدَ أن يفعلَ ما يحلو له متأسيًا بما يحدُث في أكبر بلد «حُر» في العالَم. يتجاوز الأمْر مسألة القواعد والقِيَم الأخلاقيَّة إلى النَّخر في أُسُس ترابط الجماعات البَشَريَّة في المُجتمعات والدوَل. رُبَّما لا يبدو أثَر ذلك واضحًا الآن، لكنَّه على المدَى الطَّويل، ورُبَّما مع بعض الضّعف وقلَّة المقاوَمة من القضاء وسُلطات إنفاذ القانون يُمكِن أن ينتهي وضعها إلى وضع الصّحافة الآن.
د.أحمد مصطفى أحمد
كاتب صحفي مصري