أيها الأحبة: لا نزال مع غزوة حنين المباركة، وقد توقف بنا الحديث عندما رجع ابن أبي حدرد إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخبره بأمر هوازن، فأخبره الخبر، (فدعا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عمر بن الخطاب، فأخبره الخبر فقال عمر: كذب ابن أبي حدرد. فقال ابن أبي حدرد: إن كذبتني فربما كذبت بالحق يا عمر، فقد كذبت من هو خير مني. فقال عمر: يا رسول الله، ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد كنت ضالًّا فهداك الله يا عمر). فلما أجمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ السير إلى هوازن ليلقاهم، ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعًا له وسلاحًا، فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك. فقال: يا أبا أمية، أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدونا غدا، فقال صفوان: أغصباً يا محمد؟ قال: بل عاريةً ومضمونةً حتى نؤديها إليك، قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مئة درع بما يكفيهم من السلاح، فزعموا أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سأله أن يكفيهم حملها، ففعل. قال: ثم خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ معه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه، ففتح الله بهم مكة، فكانوا اثني عشر ألفا، واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة، أميرًا على من تخلف عنه من الناس، ثم مضى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على وجهه يريد لقاء هوازن، قال الحارث بن مالك: خرجنا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية، قال: فسرنا معه إلى حنين، قال: وكانت كفار قريش ومن سواهم من العرب لهم شجرة عظيمة خضراء، يقال لها ذات أنواط، يأتونها كل سنة، فيعلقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يومًا. قال: فرأينا ونحن نسير مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سدرة خضراء عظيمة، قال: فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: الله أكبر، قلتم، والذي نفس محمد بيده، كما قال قوم موسى لموسى (وَجَاوَزنَا بِبَنِي إِسرَائيلَ ?لبَحرَ فَأَتَواْ عَلَى قَوم يَعكُفُونَ عَلَى أَصنَام لَّهُم قَالُواْ يَمُوسَى ?جعَل لَّنَا إِلها كَمَا لَهُم ءَالِهَة قَالَ إِنَّكُم قَوم تَجهَلُونَ) (الأعراف ـ 138) ، إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم. وعن جابر بن عبد الله قال: لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط، كنا ننحدر فيه انحدارًا، قال: وفي عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه، وقد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا، فو الله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين، لا يلوي أحد على أحد. وانحاز رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذات اليمين، ثم قال: أين أيها الناس؟ هلُموا إلي، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله. قال: فلا شيء، حملت الإبل بعضها على بعض، فانطلق الناس، إلا أنه قد بقي مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، قال ابن إسحاق: فلما انهزم الناس، ورأى من كان مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغينة، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل مكة أن رجلًا من بني بكر قال:» حين فصل من مكة إلى حنين، ورأى كثرة من معه من جنود الله: لن نغلب اليوم من قلة». وقد كان لهذه الكلمة صداها ووقعها على الأحداث، فكيف كان ذلك؟ .. وللحديث بقية.
محمود عدلي الشريف