يحكم «باتريك دينين» على الليبراليَّة بعد عقودٍ طويلة من الممارسة، وسنوات من المتابعة والتَّقييم بأنَّها «أكثر مكرًا ودهاء: فهي كأيديولوجيا تتظاهر بالحياد، ولا تدَّعي أيّ تفضيل، وتنكر أيّ نيَّة لتشكيلِ النُّفوس تحت لواء حُكمها. هي تتزلف من خلال الدَّعوة إلى الحُريَّات السَّهلة، والإلهاء، والإغواء بالحُريَّة، والملذَّات، والثَّروة. هي تجعل نَفْسَها خفيَّة، تمامًا كما لا يرى نظام تشغيل جهاز حاسوب في الأغْلب، إلى أن ينهارَ. تُصبح الليبراليَّة أكثر وضوحًا يومًا بعد يوم على وَجْه التَّحديد؛ لأنَّ تشوُّهاتها أصبحتْ واضحةً للعيان بحيثُ أصبح من المتعذّر تجاهلها». تتبدَّى ملامح الليبراليَّة جليَّة على واقع المشهد السِّياسي المتناقض الَّذي يُعَبِّر عَنْه الكاتب، حيثُ «تنظر أغلبيَّات ساحقة إلى حكوماتها باعتبارها بعيدة عَنْها وغير مستجيبة، وواقعة في قبضة الأثرياء، وتحكم فقط لمصلحة الأقوياء...». انتقاد الليبراليَّة وتشريح آليَّات وأساليب عملها، وإلباسها التُّهم على مظاهر الإخفاق السِّياسي والاقتصادي، لا يعني أنَّها فاشلة كفلسفة ومنظومة سياسيَّة اقتصاديَّة للحُكم. ولكن لأنَّها بعد قرون من التَّطبيق قد بلغتِ الغاية واستنفدتْ طاقتها وروحها الخلَّاقة، ولم تَعُدْ ذات جدوى ونفع، حتَّى وإن اعتقدَ المعتقدُونَ بأنَّ إصلاحها وتجديد آليَّات عملها والوسائل والإجراءات والهياكل الَّتي تعتمد عَلَيْها يُمكِن أن تُعِيدَ لها ألَقَها وقوَّتها وفاعليَّتها. فعلاج الليبراليَّة لن يكُونَ مفيدًا إلَّا باستبدالها بنظام آخر جديد، بعد أن أثبتتْ «أنَّها جذَّابة وصامدة على حدٍّ سواء بسببِ هذا الالتزام الجوهري بالتَّوق إلى حُريَّة الإنسان المتأصِّلة بعُمق في الرُّوح البَشَريَّة. لم يكُنِ الصُّعود التَّاريخي لليبراليَّة والانجذاب العالَمي نَحْوَها على سبيل المصادفة؛ لقَدْ جذبتْ بنَحْوٍ خاصٍّ أولئك الخاضعين لنُظُم حُكمٍ تعسفيَّة، وعدم مساواة ظالم، وفقر متفشٍّ. لم تُثبتْ فلسفة سياسيَّة أُخرى من النَّاحية العمليَّة أنَّها يُمكِن أن تغذِّيَ الازدهار، وتوفِّر الاستقرار السِّياسي النِّسبي، وتُعزِّز حُريَّة الفرد بمِثل هذا الانتظام والقابليَّة...»، بمعنى أنَّ جاذبيَّتها وشَعبيَّتها كانتا بدافع الضَّرورة والتَّوق إلى التَّحرُّر من قبضة الحُكم الدكتاتوري ـ الشُّمولي، والارتماء في أحضان الحُريَّة الَّتي تنظر لها وتدَّعيها وتروِّج لها الليبراليَّة. يخلص «باتريك دينين»، بعد البحث والدِّراسة، إلى أنَّ أبرز المعضلات والتَّحدِّيات الَّتي تُواجِه الليبراليَّة اليوم، تتمثل في، أوَّلًا: الثَّورة التقنيَّة، الَّتي تفقدنا حُريَّتنا وتجعل مِنَّا نحن البَشَر، أدوات في عالَم تحكمه الآلة. ثانيًا: تراجع أو «تلاشي قدرتنا على الحُكم الذَّاتي حتَّى نقطة العدم. في خضمِّ عويلنا الحالي بشأن مجموعة متنوِّعة من الأزمات». ثالثًا: «أزمة مَدَنيَّة، تفقدنا القدرة على التَّحدُّث بلُغةِ المصلحة العامَّة». رابعًا: «أزمة ماليَّة، تراكمتْ فيها الدُّيون العامَّة والخاصَّة على السَّواء بسببِ الإشباع الفوري». خامسًا: «أزمة بيئيَّة». سادسًا: «أزمة أخلاقيَّة، لمُجتمع تتفكك فيه الالتزامات الشَّخصيَّة مثل الأُسرة بسهولة وتستبدل بالعلاج النَّفْسي والبرامج الاجتماعيَّة». سابعًا: «تقوِّض الليبراليَّة التَّعليم الحُر في المقام الأوَّل عن طريق فصل المؤسَّسة التَّعليميَّة نَفْسِها عن الثَّقافة وجعلها مُحرِّكًا لمناهضة الثَّقافة»، وتحوُّله إلى تعليم نخبوي تجاري، يُمكِّن الأغنياء من تقلُّد السِّيادة والحصول على مقاعد في الفئة الاجتماعيَّة النَّخبويَّة، فيما يحرم الفقراء والطَّبقات الكادحة عمومًا، من التَّعليم الجيِّد الَّذي يُمكِّنهم من تحسين أوضاعهم المعيشيَّة والاجتماعيَّة... إذ يجري تشكيل الطَّلبة «بالكامل ليكُونُوا أجزاءً عاملة ضِمْن نظام «التَّحرير»، حيثُ يلتحق طلاب اليوم بقدرٍ متزايد بالكُليَّات فقط للسَّعي نَحْوَ تطبيقاتها «العمليَّة». ما يعني ارتباطها المباشر بتطبيقاتها الاقتصاديَّة والتقنيَّة، غير مدركين تمامًا أنَّ هناك طريقة أرحبَ لِفَهمِ ما هو «عملي» لِيشتملَ على كيف يعيش المرء: زوجًا، ووالدًا، وجارًا، ومواطنًا، وإنسانًا...». فلا غرو أن نشهدَ هذا التَّمزُّق الأُسري المريع، والألَم الإنساني الَّذي يشعُر به كِبار السِّن خاصَّة، أبًا وأُمًّا، بسبب إهمال وتجاهل وعقوق الأبناء، وأن يضجَّ بيت الجار بالمشاكل والمصائب والأحزان، فلا يشعُر ولا يعلم جيرانه بمعاناته، بل ولا يكترثون به... فقَدْ سلبتِ الليبراليَّة من المُجتمعات الَّتي تُطبِّقها، أجواء الطُّمأنينة والسَّلام الرُّوحي والجو الأُسري المريح والشُّعور بالأمان.. وطغتْ ثقافة المصلحة الشَّخصيَّة وتحقيق النَّجاح في السُّوق وريادة الأعمال، والصِّراع والمنافسة على الهيمنة والنُّفوذ والثَّراء، الَّتي سرقتْ من الإنسان مُثله الإنسانيَّة، في عالَم يحتضن فيه الطلَّاب «سياسات «الهُوِيَّة» و»التَّنوُّع» لخدمة مصالحهم الاقتصاديَّة، وديمومة «القوَّة الكامنة»، لتشكيلِ نخبة «عالَميَّة قابلة للاستبدال، تحدّد بسهولة الأعضاء الآخرين القادرين على العيش في عالَم بلا ثقافة وبلا مكان مُحدَّد، يحدّد قَبل كُلِّ شيء بأعراف ليبراليَّة متمثلة في لا مبالاة معولمة تجاه المشاعر المشتركة للجيران والمُجتمعات الفعليَّة. يؤدِّي هذا بِدَوْره إلى انعدام المسؤوليَّة...». أمَّا «أولئك الَّذين يظلُّون في القُرى والبلدات فمحكوم عَلَيْهم عمومًا بالظُّروف الاقتصاديَّة الصَّعبة، وتنحصر أقدارهم في وظائف مجالات الخدمات ذات الأجور المنخفضة الَّتي تتَّسم بالرُّكود، منعزلين عن المستويات العُليا من الأعمال التَّحليليَّة والفكريَّة المحجوزة لخرِّيجي النُّخبة...». فليس بمستغرب بأن يُخلقَ نظام الليبراليَّة مُجتمعات لا تتجاوز فيها النُّخب المتمتِّعة بالثَّراء الفاحش، نسبة الـ(15) في المئة، «مع رعاية صحيَّة أفضل»، وفرص التَّعليم الأعلى جودة وتكلفة ماليَّة. بعد رحلة مضنية من الاستقصاء والبحث والمراجعة المصحوبة بالنَّفَس الطَّويل والقراءة الفاحصة والمقارنات المرتبطة بملف الليبراليَّة، يتوصل «باتريك دينين» إلى أنَّ الأزمة الَّتي تُعاني مِنْها الليبراليَّة ليسَتْ مرتبطة أو متعلِّقة بجزء أو عضو أو جانب من تطبيقاتها وممارساتها، إنَّها متغلغلة في العُمق، في مركز الهيكلة والمؤسَّساتيَّة، لذا فإنَّ الاستصلاح لن ينفعَ لتصحيحِ مساراتها وصيانة الأعطال، وإنَّما الاستئصال والاستبدال هما المعوَّل عَلَيْهما في تحقيق نهضة سياسيَّة واقتصاديَّة يُدير بها العالَم دوَله ومؤسَّساته... فما «تواجهه اليوم ليس مجموعة من المُشْكلات المنفصلة بعضها عن بعض والَّتي يُمكِن حلُّها بواسطة الأدوات الليبراليَّة، بل إنَّها تُمثِّل تحدِّيًا منهجيًّا ناشئًا عن أيديولوجيَّة متفشِّية غير مرئيَّة. المُشْكلة ليسَتْ في برنامج أو تطبيق واحد، ولكن في نظام التَّشغيل نَفْسِه. يكاد يكُونُ من المستحيل عَلَيْنا أن نتصوَّرَ أنَّنا في خضمِّ أزمة تشريع تخضع فيها افتراضاتنا المنهجيَّة الأعمق للانحلال...». المرحلة الزَّمنيَّة المستقبليَّة، الَّتي يدعو فيها الكاتب إلى تطبيق نظام سياسي ـ اقتصادي جديد، أو مرحلة ما بعد الليبراليَّة، تتطلب قَبل الانتقال إِلَيْها ثلاث خطوات، الأُولى: «الاعتراف بإنجازات الليبراليَّة، وتجنُّب الرَّغبة في العودة إِلَيْها». ثانيًا: «أن نتجاوزَ عصر الأيديولوجيا». وأخيرًا: التَّركيز «على تطوير ممارسات تُعزِّز أشكالًا جديدة من الثَّقافة، والاقتصاد المنزلي، وحياة المدينة».
سعود بن علي الحارثي