أرسل الخليفة الفاطمي المُعز لدين الله الفاطمي جيوشه لغزو مصر، مستغلًّا ضعف الدَّولة العباسيَّة، حتَّى نجحَ قائد جيوشه جوهر الصقلي، في العام 969 ميلاديَّة، في دخول الإسكندريَّة، والوصول إلى عاصمتها الفسطاط بِدُونِ قتال. وكان أوَّل عمل قام به هو وضع أساس مدينة جديدة لِتكُونَ عاصمة للدَّولة الفاطميَّة، حيثُ اختار مكانًا في منطقة رمليَّة، تقع في الشَّمال الشَّرقي لمدينة القطائع (العاصمة القديمة لمصر)، لم يكُنْ بها سوى بستان يُسمَّى الأخشيد، ودير للمسيحيِّين يُسمَّى دير العظام، موقع جامع الأقمر الآن، وحصن صغير يُسمَّى قصر الشوك.
شرعَ الصقلي في تشييد العاصمة، ببناء القصر الكبير الَّذي أعدَّه لاستقبال الخليفة الفاطمي، وبعدما حطَّ جيش الفاطميِّين رحاله بالعاصمة، اتَّخذتْ كُلُّ قبيلةٍ من القبائل الَّتي تكوَّن مِنْها جيش المعز منطقة لِتستقرَّ بها، نُسبَتْ إِلَيْها فيما بعد، أحاطَ الصقلي القاهرة بالأسوار والأبواب المُحصَّنة، كباب النَّصر وباب الفتوح وباب زويلة، كان اسم العاصمة في البداية المنصوريَّة، تيمُّنًا بالمدينة الَّتي أنشأها المنصور بالله والد المُعز في المغرب، ولكن عِندَما وصلَ الخليفة الفاطمي لمصر عام 362 هجريَّة، غيَّر اِسْمَها إلى القاهرة.
في العصر الأيوبي، بنى صلاح الدِّين الأيوبي، عِندَما تولَّى الحُكم، دار الوزارة بالجماليَّة، وجعلَها مقرًّا للحُكم، ثمَّ بنَى قلعته الشَّهيرة على تلال القاهرة الشَّرقيَّة لِتصبحَ مقرًّا لحكمه، وأحاطَ عواصم مصر القديمة (الفسطاط والعسكر والقطائع والقاهرة) بسُورٍ ضخمٍ، وذلك لحمايتها من خطر الصَّليبيِّين.
في العصر المملوكي، تمَّ إنشاء مئات المساجد، وشقّ شارع الجماليَّة، نسبةً إلى الأمير جمال الدِّين محمود الأستادار، منشئ المدرسة الجماليَّة، في عصر السُّلطان برقوق أوَّل سلاطين المماليك الشَّراكسة. وكان هذا الشَّارع طريقًا رئيسًا للقوافل المسافرة إلى ميناء دمياط عَبْرَ باب النَّصر، ومِنْه تتَّجه قوافل الحجيج المُتَّجهة للحجاز عَبْرَ السويس وشِبْه جزيرة سيناء وميناء العقبة.
في العصر المملوكي شهدتِ القاهرة توسعًا عمرانيًّا وتحوُّلات اجتماعيَّة، بعد انتقال مساكن الأُمراء والطَّبقة الحاكمة، والطَّبقة المُتَوَسِّطة (العُلماء وكِبار التجَّار) من داخل أسوار القاهرة والمناطق المُحيطة بقلعة صلاح الدِّين، إلى شواطئ بركة الفيل، والأحياء المستحدثة في البَرِّ الغربي للخليج المصري الَّذي جفَّ واختفى لاحقًا. كما انتعشتِ التِّجارة، فظهرَ سُوق الغوريَّة والفحامين، ومنطقة الصَّاغة، الَّتي ما زالتْ تمارسُ نشاطها حتَّى الآن في تجارة المجوهرات، وشهدتِ القاهرة في نهاية العصر المملوكي انتعاشًا تجاريًّا دوليًّا، وكان شارع المُعز يضمُّ عشرات الوكالات لتجارة الأقمشة، والبُن والتَّبغ والغلال.
في عصر محمد علي شهدتِ القاهرة نهضةً معماريَّة عظيمة، وتمَّ تشييد مئات المساجد ذات المآذن العالية، حتَّى سمَّاها المقريزي مدينة الألف مئذنة، كما تمَّ بناء عشرات القصور، الَّتي شارك في تشييدها أشْهَر المعماريِّين والفنَّانين والعمَّال المَهَرة من فرنسا وإيطاليا، واشترط محمد علي عَلَيْهم الاستعانة بأربعة مصريِّين لكُلِّ خبير أجنبي، ليتعلَّموا مِنْهم المِهنة، وتمَّ بناء قصور: الجوهرة والقبَّة والحرم والأزبكيَّة والنِّيل.
وعِندَما تولَّى إسماعيل باشا عرش مصر عام 1863م كانتِ القاهرة تمتدُّ من القلعة عِندَ سفح جبل المُقطم، وتنتهي حدودها الغربيَّة عِندَ مدافن الأزبكيَّة، وميدان العَتَبة والمناصرة، أحياء كان يفصلها عن نهر النِّيل مجموعة من البِرَك والمستنقعات والمقابر والتِّلال المتهالكة، ممَّا جعل إسماعيل باشا يفكِّر في ثورة عمرانيَّة، بإعادة تخطيط القاهرة، ردًّا على كِتابات الرَّحَّالة الأوروبيِّين، الَّذين قالوا عن القاهرة: «خير لك أن تسمعَ عن القاهرة من أن تراها، وأنَّها عاصمة البعوض ويعيش زائروها طوال العام تحت نامسويَّة»، وقرَّر أن تتحوَّلَ القاهرة إلى قطعة من أوروبا، بل أجمل من لندن وباريس.
محمد عبد الصادق
كاتب صحفي مصري