.. ولَم يكونوا يقتصِرون في إحياء العشر على أنفسهم، بل كانوا يوقظون نساءهم وأبناءهم، تأسِّيًا برسول الله ـ صلَّى الله عليْه وسلَّم ـ قال ابن رجب:(ولم يكُن النبيُّ ـ صلَّى الله عليْه وسلَّم ـ إذا بقي من رمضان عشَرة أيَّام، يدَع أحدًا من أهلِه يُطيق القيام إلاَّ أقامه(، وقال سفيان الثَّوري:(أَحب إليَّ إذا دخل العشر الأواخر أن يَتهجَّد باللَّيل، ويَجتهِد فيه، ويُنهِض أهله وولدَه للصَّلاة إن أطاقوا ذلك)، بل كان هذا ديْدن عمر بن الخطَّاب في سائر الأيَّام، فقد كان يصلِّي من اللَّيل ما شاء الله، حتَّى إذا كان نصف اللَّيل، أيْقظ أهله للصلاة، ثم يقول لهم:(الصَّلاةَ، الصَّلاة، الصَّلاة)، ويتلو (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (طه ـ 132)، وهذا ابن عبَّاس ـ رضِي الله عنْه ـ قال:(بتُّ عند خالتِي ميْمونة ليلة، فقام النَّبيُّ ـ صلَّى الله عليْه وسلَّم ـ فلمَّا كان في بعْض اللَّيل، قام الرَّسول ـ صلَّى الله عليْه وسلَّم ـ فتوضَّأ من شنٍّ معلَّقة وضوءًا خفيفًا ثمَّ قام يصلِّي، فقُمت فتوضَّأت نحوًا ممَّا توضَّأ، ثمَّ جئتُ فقُمت عن يسارِه، فحوَّلني فجعلنِي عن يَمينه، ثمَّ صلَّى ما شاء الله(، وقال إبراهيم بن وكيع:(كان أبي يصلِّي، فلا يبقى في دارِنا أحدٌ إلاَّ صلَّى)، وكان طلحة بن مصرف يأمُر نساءَه وخدمه وبناتِه بقيام الليل، ويقول:(صلُّوا ولو ركعَتَين في جوْف اللَّيل، فإنَّ الصَّلاة في جوْف اللَّيل تحطُّ الأوْزار، وهى من أشْرف أعمال الصَّالحين)، وقال إبراهيم بن شماس:(كنتُ أعرِف أحمد بن حنْبل وهو غُلام يُحيي اللَّيل)، وقال ابنُ أبي حاتم:(وإنَّما قال ابنُ عمر ذلك؛ لكثرة صلاةِ أمير المؤمنين عُثمان باللَّيل وقراءته، حتَّى إنَّه ربَّما قرأ القُرآن في ركعة)، وعن علقمة بن قيس قال:(بتُّ مع عبدالله بن مسعود ليلة، فقام أوَّل الليل، ثمَّ قام يصلِّي، فكان يقرأ قراءة الإمام في مسجِد حيِّه: يرتِّل ولا يراجع، يُسمع مَن حوله ولا يرجع صوته، حتَّى لَم يبْقَ من الغلس ـ ظلمة آخر الليل ـ إلاَّ كما بين أذان المغرب إلى الانصِراف منها، ثم أوْت).
وكان السلف الصالح خاصة في هذه الأيام الثمينة أنوار مشرقة يتسابقون في كل عمل صالح يقربهم إلى الله همم عالية وضاءة كنور الشمس المضيئة لا يتركون باب إلا ونافسوا فيه ولا مسلك من مسالك البر والخير إلا سلكوه وقد سطر لهم التاريخ أروع المعالم والنماذج البارزة، وللأسف الشديد هناك بعض المسلمين لم يهتم بهذا الأيام المباركة وهو يختتم شهر رمضان فتجده في الأسواق والمحلات وأمام المقاهي والملاعب ومتابعة المسلسلات والأفلام ومتابعة وسائل التواصل الاجتماعي لم يفيق وينتبه لفضائل والأنوار والحسنات في العشر الأواخر من رمضان.
إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
كاتب عماني