الخميس 09 أبريل 2026 م - 21 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

قراءة بلاغية تربوية فـي بعض آيات غزوة بدر الكبرى «1»

السبت - 15 مارس 2025 02:27 م
20

في اليوم السابع عشر من شهر رمضان عام اثنين من الهجرة المباركة كانت غزوة بدر الكبرى، وكانت قد سجلت سورة الأنفال، وبعض آيات من سورة آل عمران أحداثها، وأظهرت قيمها، وكشفتْ عن معانيها، ودلالاتها، وسماها القرآن الكريم يومَ الفرقان، وفيها من الحكم، والمعاني، والدروس، والعِبرِ الكثيرُ، والكثيرُ، وهنا ندور حول آية واحدة من آيات سورة آل عمران التي سجلت بعض أحداث تلك الغزوة، وذلك اليوم، يقول الله تعالى:(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (آل عمران ـ 123).

بدأت الآية بأسلوب القسم:(ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ ..)، أي: وعزتي وجلالي لقد نصركم الله ببدر، وأسلوب القسم يتركب من ثلاثة أركان: حرف القسم، وهو هنا الواو، والمقسم به، وهو هنا محذوف للعلم به، والمقسَم عليه، وهو جواب القسم:(لقد نصركم الله ببدر)، والله لا يقسم إلا على عظيم، فالقسم يأتي كناية عن عظمة اليوم، وامتنان الله على عباده الذين كانوا قليلي العَدد، والعُدد، ولم يتجهزوا بالشكل الكافي، فلم تكن في الأصل حربًا، وإنما كانت أخذا لعِير قريش، ولكن الله تعالى جعلها حربا على الشرك المتغطرس، والكفر المتكبر، فنصر رسوله، وأعزه، وقواه، وهزم جحافل المشركين الذين كان عددهم يومئذ ما بين التسعمائة إلى الألف في سوابغ الحديد، والبِيضِ، والعدة الكاملة، والخيول المسومة، والحلي الزائدة، فأعز الله رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأظهر وحيَه، وتنزيلَه ، وبيَّض وجهَ النبي، وقبيله، وأخزى الشيطان، وحزبه، وجيله؛ ولهذا قال تعالى ـ ممتنًّا على عباده المؤمنين، وحزبه المتقين:( ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ..)، وهنا عارض للتركيب (بالتقديم والتأخير) وهو تأخير اسم الجلالة، وهو الفاعل، وتقديم الضمير (كم)، وهو المفعول به؛ وذلك للتعجيل بمسرَّتهم، وللتشويق إلى معرفة الفاعل، وهو ملك الملوك، الله الذي هو على كل شيء قدير، وبيده مقاليد السموات والأرض، وهو تأكيد من الله، وأنه ـ سبحانه ـ الذي نصرهم، ونصره لا يعدله نصرٌ، وفتحُه لا يماثله فتحٌ، والضمير (كم) يشعر بشدة الفرح؛ حيث شعر بالنصر، والفرح، والفخر، والمنة مجموعُ المؤمنين، فلم يحزن منهم أحدٌ، وجملة:(وأنتم أذلة) في محل نصب حالًا، تبيِّن وضعَهم قبل الغزو، وأنهم كانوا أقلَّ عَددًا وعُدةً، كما ذكر المفسرون، حيث قالوا:(يوم بدر، وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام، وأهله، ودمغ فيه الشرك وخرب محله، هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذ، فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، فيهم فَرَسَانِ، وسبعون بعيرا، والباقون مشاة، ليس معهم من العُدَد جميع ما يحتاجون إليه)، ومع ذلك نصرهم الله، وأخزى عدوهم، وفيه فائدة أن الإنسان عليه أن يجتهد، وأن يعمل، ويستعد غاية الاستعداد، ويجمعَ من العتاد ما يشعر معه بأنه بذل كلَّ ما في وسعه، ثم يتوكل على الله، والله ناصره، والنصر ينزل من عند الله العزيز الحكيم، على نحو ما قال الله تعالى:(وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱستَطَعتُم مِّن قُوَّة وَمِن رِّبَاطِ ٱلخَيلِ تُرهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُم وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِم لَا تَعلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعلَمُهُم..) (الأنفال ـ 60)، وقوله:(ببدر) فيه أمران؛ الأول: أن (الباء) هنا بمعنى (في) أي في بدر، وكأنهم منصورون بأمر الله ببدر نفسه، وهو اسم البئر، أو المكان الذي حدثت فيه الغزوة، فعبر بالباء عن (في) على سبيل الاستعارة التبعية، ومعلوم تناوب أحرف الجر معانيها، ودلالاتها.

د. جمال عبد العزيز أحمد

 جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية

[email protected]