الأحد 05 أبريل 2026 م - 17 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

العدول فـي القرآن الكريم وأهم دلالاته البلاغية والتربوية «العدول فـي استعمال الحرف ودلالاته الإيمانية» «1»

السبت - 08 مارس 2025 01:28 م
30

من أنواع العدول الذي يلاحظ في الكتاب الكريم (العدولُ في استعمال الحروف)، والانحرافُ بها عن قياس تعدية الفعل من حرف إلى حرف آخر؛ لقيمة إيمانية، ودلالة قِيمِيَّةٍ، ومعانٍ عقَدية، واجتماعية، ما كانت لتكون لولا هذا العدلُ، وذاك الحَيْدُ عن سَنَنِ القاعدة، وسأضربُ هنا شاهدين، أو أكثر من كتاب الله، وهناك الكثيرُ مما هو وارد بين آيات القرآن الكريم.

فالشاهد الأول هو قوله تعالى حكاية عن اللعين فرعونَ الذي راح يُرعد، ويُبرق، ويُهدد أولئك النفر الذين جاء بهم ليستعينَ بسحرهم، ولكنهم عَرَفُوا الحق، وسجدوا لله؛ لما رأوا حقيقة ما كان مع سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ والإنسانُ لو ضحك على الخلق كلهم، فإنه لا يمكنُ أن يضحك على نفسه، فهم سحرة، وجاؤوا بسحر عظيم على حد استعظام الكتاب العزيز لسحرهم، لكنهم، ولمعرفتهم بالسحر، وأصوله وضروبه، تيقنوا من أن سيدنا موسى جاء بالحق الدامغ، والبرهان الساطع، فآمنوا بالله، وسجدوا لعظمته، وتحملوا في ذات الله الكثيرَ من العذاب، والاضطهاد، ومنه تهديدُ فرعون الذي سنحلل كلماته، ونبيِّن منحى العدول فيها؛ لنرى قيمة العدول، ومخالفة القياس.

يقول الله تعالى عن تلك الواقعة:(.. قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى، قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى، فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى، قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى، وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى، فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى، قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى، قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه 65 ـ 73).

هنا خيَّروا سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ كأنهم سيغلبون، وأنهم من أنفسهم واثقون، قالوا: (إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى)، مرتكنين إلى علمهم، وحذقهم، وتمكُّنهم من صنعة السحر والخداع، لكن موسى ـ عليه السلام ـ قابلهم بقوله:(بَلْ أَلْقُوا)، وعندما رموا حبالهم، وعصيهم، وسحروا أعين الناس بكبيرِ ما فعلوه، خاف موسى ـ بوصفه بشرًا لم يَرَ مثل صنيعِهم هذا من قبل:(فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى)، وتلاحظ أن الآية قد أخرت كلمة (موسى) كأنها تحكي خوفه، وتظل تتلكأ بين الكلمات، وتركت رتبتها النحوية، وهي الفاعل حتى أتت في آخر الكلام، كأنها تحكي خوفه، وتوجُّسه، وقلقه، لكن الله تعالى أمنه، وطمأنه، وقال له:(لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى)، وإن ما صنعوه إنما هو كيدُ ساحر، والساحر لا يفلح حيث أتى؛ لأنه يعتمد على خفة اليد، واستلاب النظر، وجهل الواقفين، وهو من الداخل خَوَاء، ونَخْبٌ هواء، وأمَرَهُ الله أن يلقيَ ما في يمينه، وهي العصا التي تحوَلَتْ في لمح البرق إلى حية تسعى، أي: ثعبان كبير، يخيف أهل الأرض، فالتقَفَتْ باطلَهم في لحيظات، ووقف السحرة مدهوشين، مذهولين، حائرين أمام الحقيقة الربانية، ووقعوا في الحال ساجدين، ولم يُعِيرُوا فرعون اللعين بالا، وامتهنوا كرامتَه حتى قال فرعون، وهو الذليل: (آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ)، وراح يتهمهم في الحال بأنهم من أتباعه، وأنه كبيرهم الذي علَّمهم السحر، وظل يزبد، ويرعد، ويُعلِي صوته، ويهدد.

د. جمال عبد العزيز أحمد

 جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية

[email protected]