كان من حسن الحظ في الأيام الماضية أن أقع بين صفحات رواية (مسكد) للكاتب طارق المنذري، عملٌ سردي يتحدثُ عن فترةٍ زمنية مفصليةٍ في التاريخ العماني وهي القرن التاسع عشر، في تلك الفترة تتواصل الأحداث بسرعة ٍتؤثر على الواقع العماني، بدايةً بوفاة السلطان سعيد بن سلطان، بعدها الخلاف بين ولديه ماجد وثويني على الحكم لتنفصل زنجبار عن عمان الأم كلٍ منهما في سلطنة منفردة بتخطيطٍ بريطاني يهدف إلى جعل كلمتها هي العليا والتدخل في الشأن العماني، مما يسًهل عليها السيطرة على مستعمراتها في الخليج وشرق أفريقيا، يلي ذلك مقتل السيد ثويني والصراع على الحكم بين أفراد الأسرة الواحدة مع احتلال بعض أجزاء عمان من إحدى الممالك المجاورة، إضافةً إلى الحروب القبلية الداخلية في عمان، وغيرها من الظروف التي جعلت عمان أرضاً للمعارك والدماء والأطماع .
بين أمكنةٍ عدة .. صحار، مسكد، القابل، ضنك، زنجبار، صور، العلاية، المنزفة، بعضها عواصم والبعض مدنٍ وقرى، يأخذ الكاتب قاريء الرواية إلى هذه الأمكنة العمانية عبر عدة شخصياتٍ محورية في هذا العمل الروائي التاريخي، تتوزع الشخصيات بين السيد والإمام والشاعر العالم، بين التاجر بالحق على حساب الفقراء وسكان بلدته، شخصية الثائر من أجل مستقبلٍ وحاضر أفضل لوطنه ومن ثار لأجل بضعة قروش لسد الرمق، وعن امرأة تعرضت للاعتداء وهي متزوجة لتحملُ جنيناً في بطنها من مغتصبها التاجر مع فرحة الأب الذي لا يعلم، كاذية الشهيدة التي استشهد زوجها وابنها لتلقى ربها شهيدةً بعد أن قتلت من تسبب في قتل أبنها، وشمساء بنت سعيد الخليلية، المقيم البريطاني الذي يلعب مع الخيوط والشخصيات جميعها مصاحبا ومصادقاً وبالعكس معادياً من أجل مصالح الإمبراطورية، مع الثوار وهم شباب ضد بطش التاجر وظلمه، وغيرها من الشخوص والأماكن التي تتعدد لتلتقي في قلبٍ واحد .. هو مسكد ، يجمع الكاتب الشخوص والأمكنة العديدة، والواقع المحلي في تلك الفترة مع صعود قوىً إقليمية جديدة، ومصالح القوى الاستعمارية في تلك الحقبة ليقدم مسكد التي يصفها في المقدمة (تبقين «مسكد» ـ رغم الجرح ـ عاصمة للحالمين .. لمن أعيته أحزان، أراكِ في الأرض جناتٍ على نهرٍ.. وأنتِ في الروح فردوسٌ وأوطان) يتتبع القاريء الخيط السردي الجميل في الرواية والذي في مجمله من حيث الشخصيات حقيقي وواقعي، في الصفحات الأخيرة أو الفصل الأخير بالأحرى ، يكتشف اللعبة الروائية الجميلة للكاتب وحرفيته في تقديم تاريخ عمان في تلك الحقبة المفصلية عبر عملٍ روائي ماتع مُحكم ، عبر فصول الرواية تجد الحكاية والشعر والنصيحة، تجد عمان في تلك الحقبة سواء في قصور السلاطين بمسقط وزنجبار، أو سمائل حيث يتحلّق الجميع أمام مجلس علم وفقه وحكمة الشيخ العلامة سعيد بن خلفان الخليلي، أوالمنزفة في شرقية عمان التي تُجسّد العلاقة مع زنجبار حيث بناها أبنائها ممن هاجر إلى زنجبار كالكثير من الحواضر العمانية. بعد قراءة الرواية وجدت طارق المنذري مُلمّاً بالتاريخ والمكان العماني كما ينبغي لروائيٍ أن يكون، متتبعاً لسير العلماء، دارساً بعمق المجتمع العماني في تلك الفترة، ليقدم عبر هذه المعرفة هذا العمل الروائي إلى المكتبة العمانية والعربية . هي عمان بتاريخها منذ أن سكنها العماني منذ القدم، والمكان العماني، والتواجد العماني في العالم ، وسفر العمانيين عبر البحار أو الصحاري متاجرين أو مستكشفين للعالم، ناشرين الإسلام والحضارة في قاراتٍ عدة ، كل هذا لجدير أن يكون موادٍ لأعمال روائية مبدعة . لست بالناقد الحصيف كي أنقد هذا العمل الجميل، ولكنها مجرد كلمات في حق كاتبٍ جميل وعملٍ أجمل، فشكراً طارق على هديتك الجميلة بحق للأدب العماني، وسأحلمُ بهاشل إحدى شخصيات الرواية وهو يقول : أنا الشهيد، وابن الشهيد، أبي وجدي، ثم لحقت بنا أمي بركب الشهداء ، لتسطع كأجمل نجمة.
ناصر المنجي
كاتب عماني