.. ومن أحكامه النحوية كذلك عند جره، ورفعه، ونصبه (أي: عند إعرابه)، لا نقول:(مرفوع، ومنصوب، ومجرور)، وحدها دون أن نلحقها، أو نتبعها بعبارة:(على التعظيم) فلم يرفعه أحدٌ، وكذا لم ينصبه، ولم يجره، إنما نقول في نحو:(وقال اللهُ إني معكم): اسم الجلالة (الله) فاعل مرفوع على التعظيم..، وهكذا عند النصب، وعند الجر.
وأنه عند مجيء حرف الجر، يجوز معه استعمال الواو والباء والتاء، فنقول:(والله، وبالله، وتالله)، إلا أنه مختص بالتاء، فالتاء لا تدخل على غيره من الأسماء، فهي مختصة باسم الجلالة، نحو:(وتاللّهِ لأَكيدنَّ أصنامكم بعد أن تولّوا مدبرين)، ونحو:(تاللّهِ إن كُنّا في ضلالٍ مبين، إذ نسوِّيكم برب العالمين).
وعند بناء الفعل للمجهول، والفاعل اسم الجلالة، كما في نحو:(وقيل يا أرض ابلعي ماءك..)، فالفعل:(قيل) يقال في إعرابه: فعل مبني لما لم يُسَمَّ فاعلُه، والتأدب مع الله، فلا نقول:(فعل مبني للمجهول)، لأن الله تعالى لا يجهل، وإنما لم يُسَمَّ فقط، وهي تسميةُ سيبويهِ إمامِ النحاة، يقول:(هذا باب الفعل الذي يُبْنَى لما لم يُسَمَّ فاعله)، ولا يقول:(المبني للمجهول) تعظيمًا للاسم الكريم، وأنه حكمٌ نحويٌّ من أحكامه الخاصة، التي ليست لأيِّ اسمٍ آخرَ في اللغة العربية.
ومنها أنه لا يجوز ترخيمه؛ لأن الترخيم حذفُ الأواخر؛ دلالا وتمليحا، وهو أمرٌ لا يجوز في اسم الجلالة؛ فلا يحل شرعا معه المساسُ بأحرف الاسم الكريم.
ومن أحكامه النحوية الخاصة كذلك أنه عند ندائه يجوز فيه أربعة ألفاظ عند النداء، هي:(يا ألله) بهمزة القطع، و(يا االله) بألف الوصل، و(اللهم) بحذف يا النداء من أوله، والتعويض عنها بميم في آخره (اللهم اللهم)، و(لاهم) بحذف الألف واللام الأولى من الكلمة، كما جاء على لسان حافظ إبراهيم في الهائية العمرية التي يتكلم فيها شعرًا عن حياة سيدنا عمر كاملة، قال:
حَسْبُ القوافِي وحسبي حينَ ألقِيها
أنِّي إلى ساحةِ الفاروقِ أُهدِيها
لَاهُمَّ هبْ لي بيانًا أستعينُ به
على قضاءِ حقوقٍ نامَ قاضِيها
فقال:(لاهم)، أي:(يا الله)، أو (اللهم)، ومثل هذا لا يكون لغير اسم الجلالة.
ولعل من الكمال أن نذكر هنا قصة (يا، والميم) التي تسبق الاسم الكريم، أو تأتي في آخره عوضًا عن (يا) النداء المحذوفة، أقول:(ياء) النداء حرف مرتبط بألف قائمة كأنها شامخة، لكنها لما نظرت عن يسارها وجدت ربها (الله) فكأنها استحيت منه، فعادت متأخرة ساجدة كما ترون في(اللهم)، فنقول:(قل اللهم مالك الملك..)، ونحو:(وقالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك..)، فلم تشأ أن تتقدم على ربها، ثم عادت متأخرة وساجدة غير شامخة.
وأما من الناحية الصرفية ففيها العجب العجاب، فأصل اسم الجلالة (الله): (الإلاه) بوزن الفِعال بكسر الفاء، ولكثرة الاستعمال (وكثرة الاستعمال تجيز الحذف) حذفت الهمزة المقابلة لفاء الميزان، فحذف الفاء؛ فالقاعدة في الميزان الصرفي أنه إذا حذف من الموزون شيء حُذِفَ نظيره في الميزان، فالهمزة في مقابلة الفاء فلما حذفت لكثرة الاستعمال تبعتها فاء الميزان، فصار وزن الاسم الكريم صرفيًا (العَال) من العلو، والسمو، والعظمة، والارتفاع، والكمال، والجلال.
وكذا لو أخذناه ممن المادة الأخرى (و ل هـ) أي:(الوِلَاه) بوزن (الفِعال) بكسر الفاء، حذفت الواو لكثرة استعمال الكلمة فحذفت فاء الميزان تبعا لها، فصارت هي الأخرى بوزن (العال).
ومن ناحية الكلمة جمودًا واشتقاقًا، بمعنى: هل هي جامدة، أم مشتقة؟، هما رأيان لعلماء الصرف، فمنهم مَنْ ذهب لجموده؛ حيث يرى أنه لم يؤخذ من غيره (كما هو المشتق)، وإنما هو نسيجُ وَحْدِهِ، لم يُشْتَقَّ من غيره، ومنهم مَنْ ذهب إلى أنه مشتقٌّ بدليل:(متألِّه، ومألوه، ويتألَّه، والإلاه، والله).. ونحوها مما يُشعِر باشتقاقها.
وشيءٌ آخر يتعلق بعظمة هذا الاسم الكريم: أنه لا يتسمى به إلا الواحد الأحد، ولا يجوز أن يتسمَّى به أحدٌ من البشر، قال تعالى:(هل تعلم له سميًّا)؟، فنرد عقب قراءتها قائلين: لا، يا ربي، لا نعلم لك سَمِيًّا؛ أي: مُسَمًّى بهذا الاسم، فهو اسمُك وحده، لا شريكَ معكَ فيه، ولا يجوز أن يشركَك فيه غيرُك، لا إله إلا أنت، سبحانك!، سبحانك!.
وهناك أخيرًا (الحذفُ في حروفه): كما أن هذا الاسم الكريمَ عندما تحذفُ منه حرفًا يبقى له معنًى فيما تبقَّى، حتى لو بَقِيَ على حرف واحد، فلك أن تحذف الألف من أوله، فيصير:(لله)، ولو حَذَفْتَ اللامَ الأولى لصار:(له)، فلو حذفْتَ اللام الثانية لصار:(هـ)، أي (هو)، فيأبى إلا أن يكونَ له معنًى، مع حذف معظمِ أحرفه الجليلة.
د.جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية