تحت سماء ملبَّدة بدخان القصف، وبَيْنَ أنقاض البيوت الَّتي كانتْ يومًا ما تعجُّ بالحياة، يقفُ الفلسطيني في مواجهةِ قدرٍ فُرِض عَلَيْه منذُ عُقودٍ، حيثُ الموت لم يَعُدِ استثناءً، بل تحوَّل إلى واقع يومي تفرضه آلة الحرب الصهيونيَّة، فالأمْر لم يَعُدْ عدوانًا عابرًا أو عمليَّات عسكريَّة محدودة كما كان في السَّابق، بل أضحى حرب إبادة ممنهجة تستهدف اقتلاع الوجود الفلسطيني من جذوره، فالواقع في غزَّة المحاصَرة لم يختلفْ عن الضفَّة الغربيَّة المستباحة، وفي ظلِّ هذا المشهد الدَّموي، يتَّضح أنَّ الاحتلال لا يشنُّ مجرَّد حرب، بل يسعَى لإعادة رسْمِ خريطة الأرض والإنسان، عَبْرَ التَّدمير والتَّجويع والتَّهجير، بَيْنَما يقفُ العالَم متفرجًا، يمارسُ دَوْره التَّقليدي في إطلاق بيانات (القلق العميق)، دُونَ أنْ يحرِّكَ ساكنًا لمنعِ المجازر المتواصلة.
ما يجري في قِطاع غزَّة من تدمير شامل للبنية الأساسيَّة، واستهداف المستشفيات والمدارس، وإبادة الاف المَدَنيِّين، لا يُمكِن فصلُه عن العدوان الوحشي في الضفَّة الغربيَّة، وخصوصًا في طولكرم وجنين. ففي غزَّة، تُنفَّذ سياسة التَّجويع الجماعي عَبْرَ حصار خانق، يُجبر أكثر من مليونَي فلسطيني على مواجهة خطر الموت جوعًا، في ظلِّ تدمير كُلِّ مُقوِّمات الحياة، وفي الضفَّة يُستخدم أُسلوب مختلف لكنَّه يخدم الهدف ذاته، حيثُ تُحوَّل المُخيَّمات الفلسطينيَّة إلى ساحات معارك، وتُدمَّر المنازل والمحالُّ التِّجاريَّة، وتُشقُّ الطُّرقات داخل الأحياء بهدف تقطيع أوصالها، تمامًا كما حدَث في مُخيَّم طولكرم الَّذي شهدَ تدمير (100) شقَّة سكنيَّة وتشريد الآلاف، فهذه العمليَّات ليسَتْ مجرَّد إجراءات أمنيَّة كما يدَّعي الاحتلال، بل هي خطوات مدروسة تهدف إلى تفريغ الأرض من سكَّانها الأصليِّين، وإعادة تشكيلها بما يتناسب مع المشروع الصهيوني الَّذي يسعَى لخلقِ واقعٍ ديموجرافي جديد، يقلِّص فرص قيام دَولة فلسطينيَّة مستقبلًا.
رغم الأدلَّة الدَّامغة على ارتكاب الكيان الصهيوني جرائم حرب وجرائم ضدَّ الإنسانيَّة، إلَّا أنَّ المُجتمعَ الدّولي يكتفي بإصدار بيانات الإدانة الفارغة، دُونَ اتِّخاذ أيِّ خطوات حقيقيَّة لوقفِ هذه الجرائم. هذه الازدواجيَّة في التَّعامل مع القضايا الإنسانيَّة، حيثُ يتمُّ التَّعامل مع الضَّحايا وفقًا لانتمائهم السِّياسي وليس بناءً على معايير العدالة، تؤكِّد أنَّ النِّظام الدّولي خاضعٌ لهيمنةِ القوى الكبرى الَّتي تمنحُ الاحتلال غطاءً سياسيًّا وعسكريًّا، فالولايات المُتَّحدة على وَجْهِ الخصوص، تستمرُّ في استخدام حقِّ النَّقض (الفيتو) داخل مجلس الأمن لحماية دَولة الاحتلال من أيِّ مساءلة، بَيْنَما تواصل تزويدها بالسَّلاح والتَّمويل، ما يجعلها شريكًا مباشرًا في الجرائم المرتكبة بحقِّ الفلسطينيِّين، في المقابل تتعامل بعض الدوَل الأوروبيَّة مع القضيَّة الفلسطينيَّة بمنطق المصالح الاقتصاديَّة، فتكتفي بالتَّعبير عن (القلق) دُونَ أنْ تتَّخذَ أيَّ إجراءات ملموسة مِثل فرض عقوبات اقتصاديَّة أو وقف تجارة السِّلاح مع الاحتلال.
أمام هذا الواقع يُصبح التَّحرُّك الفلسطيني والدّولي أمرًا مُلحًّا، فالصُّمود وحده لم يَعُدْ كافيًا دُونَ استراتيجيَّة متكاملة تُوظَّف فيها كُلُّ الأدوات السِّياسيَّة والقانونيَّة والإعلاميَّة لكسرِ الهيمنة الصهيونيَّة على الخِطاب الدّولي. فالمطلوب اليوم هو تصعيد العمل القانوني أمام المحكمة الجنائيَّة الدّوليَّة، وفضحُ جرائم الاحتلال في كُلِّ المحافل الدّوليَّة، وتعزيز التَّحرُّكات الشَّعبيَّة في العواصم العالَميَّة للضَّغط على الحكومات المتواطئة.. وعلى المستوى العربي يَجِبُ أنْ يتجاوزَ الدَّعم الفلسطيني مرحلة البيانات الدبلوماسيَّة، إلى خطوات عمليَّة مثل فرض عقوبات اقتصاديَّة وتجاريَّة على دَولة الاحتلال أو مَن يتعامل معها، ودعم المقاوَمة الشَّعبيَّة على الأرض، ولكن يبقى الصمود الفلسطيني هو الأساس، فقد يمتلك الاحتلال القوَّة العسكريَّة، لكنَّه لا يستطيع هزيمة إرادة شَعب يقاتل من أجْلِ حقِّه في الحياة والحُريَّة، وهو ما يجعل استمرار النِّضال الفلسطيني ضرورة تاريخيَّة، حتَّى إسقاط مشروع التَّصفية الَّذي يعمل الاحتلال على فرضه.