الأحد 19 أبريل 2026 م - 1 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

التاريخ بين مدخلي الاشتراكيين والارستقراطيين

التاريخ بين مدخلي الاشتراكيين والارستقراطيين
الثلاثاء - 18 فبراير 2025 01:05 م

أ.د. محمد الدعمي

10

إذا ما عدَّ الاشتراكيون (ماركس وانجليز) تطوُّر علاقات الإنتاج ووسائل الإنتاج هو المحكَّ الحقيقي لصناعةِ وفَهْمِ الماضي، فإنَّ وليام موريس Moriss، زميلهم الاشتراكي في بريطانيا، قد ذهب إلى اعتماد العمارة (وليس كتُب التَّواريخ والحوليَّات)، وثيقة تاريخيَّة.

وباعتماد البنايات العظمى في العالَم وثائقَ تاريخيَّة، (كالأهرامات والجنائن المعلَّقة) تمكَّن موريس من كُنْه أسرار علاقات الإنتاج الَّتي أقامت أعظم الأبنية في تاريخ العالَم. فعلى سبيل المثال، انتقدَ مورس علاقات العمل الَّتي أنتجتِ الأهرامات في الشَّقيقة مصر والجنائن المعلَّقة في العراق، ذاهبًا إلى الهجوم على العلم فكر المُصمِّم (بسر الميم) الَّذي كان يحتاج إلى مئات الآلاف من الكادحين لإقامة هذه الأهرامات، عادًّا عملهم «كدحًا»، وليس لذَّة. بَيْنَما عدَّ موريس كاتدرائيَّة «آيا صوفيا» في إسطنبول Constantinople النّموذج الأسمى للعمل، حيث كان العامل يَشعر بأنَّ عمله وكدحَه هما جزء من العبادة ولذَّتها، وبأنَّ الفنونَ الثَّانويَّة الدَّاخلة في عمارة هذه الكاتدرائيَّة تبيّن تلك اللَّذة الَّتي شعر بها البناة أثناء إقامة الكاتدرائيَّة، باعتبار اللَّذة أثناء العمل والتَّنفيذ هما شرطان مسبقان للإبداع، الأمْر الَّذي جعلَ موريس يحاول تحليل الزَّخارف الثَّانويَّة في صلاتها وبروزها مع الزَّخارف الرَّئيسة، باعتبار الأُولى ترمز للعمَّال الكادحين في علاقتهم مع العقل المُصمِّم (بكسر الميم).

وهكذا ذهبَ موريس إلى أنَّ التَّقييم الجَمالي للبنايات العظمى في العالَم يعتمد هذه المعايير، حيث إنَّ الشُّعورَ باللَّذة أثناء عمليَّة الإبداع والزَّخرفة والإنتاج إنَّما هو الشَّرط المُسبق لإقامة بنايات خالدة تتحدَّى قوَّة الزَّمن وآثار الطَّبيعة لتبقَى مزارًا للأجيال الحيَّة، جيلًا بعد آخر.

لذا، عدَّ موريس الأعمال الحِرفيَّة واليدويَّة الَّتي ميَّزتِ العصر الوسيط نماذجَ لأرقى ما توصَّل إِلَيْه الإنسان عَبْرَ تاريخ العالَم، مستبعدًا التَّواريخ القوميَّة؛ لأنَّها محدودة في توكيدها على قصَّة البلاط وقصَّة المعسكر، وهنا تظهر لنا أهميَّة التَّواريخ الأرستقراطيَّة: تواريخ الملوك والحروب!

أ.د. محمد الدعمي

كاتب وباحث أكاديمي عراقي