إخوة الإيمان.. لقد أقبل علينا شهر شعبان، (وهو شهر فضيل من الأشهر القمرية، والذي جعلت تأريخا للسنة الهجرية، وذلك لأنها توافق سنة الله تعالى عندما خلق السماوات والأرض، وإن كان فيما قبل الإسلام قد سُمِّيَ هذا الشهرُ بشعبانَ لتشعب القبائل العربية وافتراقها للحرب بعد قعودها عنها في شهر رجب، فإنه في الإسلام سمي بذلك لتشعب الخير فيه، فهذا الشهر العظيم شهر شعبان فهو شهر جمّاع للخير، فينبغي لكل مؤمن لبيب ألا يغفل في هذا الشهر، كيف لا؟ وهو شهر يتأهب فيه كل مسلم لاستقبال شهر رمضان بالتطهر من الذنوب والتوبة عما فات وسلف فيما مضى من الأيام، فيتضرع إلى الله تعالى في شهر شعبان، ويتوسل إلى الله تعالى حتى يصلح فساد قلبه، ويداوي مرض سره، ولا يسوف ويؤخر ذلك إلى غد، لأن الأيام ثلاثة: أمس وهو أجل، واليوم وهو عمل، وغدًا وهو أمل، فلا تدري هل تبلغه أم لا، فأمس موعظة، واليوم غنيمة، وغدًا مخاطرة، وكذلك الشهور ثلاثة: رجب فقد مضى وذهب فلا يعود، ورمضان وهو منتظر لا تدري هل تعيش إلى إدراكه أم لا؟ وشعبان وهو واسطة بين شهرين فليغتنم الطاعة فيه، وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم:» اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك») (كتاب «الغنية لطالبي طريق الحق 1/ 339»).
فإنك أخي الحبيب بين زخم المشاغل اليومية لابد أن تخص هذا الشهر بخصوصية من الاهتمام تقدم فيها على العبادة فتؤديها حق أدائها، وتعطي لروحك نصيبها، وتمسك بجلم نفسك فتمنعها عن جماحها، وتخضع لله هيمنها، وتحقق للطاعة وقتها وإخلاصها، بنية صادقة للعبادات بأنواعها، فاغتنم أخي ساعة قد تندم يومًا على ضياعها، فكثير من البشرية من تنشغل عن رؤية أعمالها، ومن تصحبهم الغفلة إلى أوكارها، ومن البشرية من تتقرب بإخلاصها، وتبتعد عن المراءة وإظهارها، فأكثر من الطاعات وإكثارها، والعبادات وإتقانها، واترك المعاصي وطرقها، وذر السيئات وأسبابها، وجنب الأعمال عن ريائها، وخلصها من كل نقيصة تعيبها، أو شائبة تمنع من قبولها، ومن هنا فشعبان محطة لتجديد التوبة وانطلاقها، وتفعيل روح الطمأنينة وتأثيرها، ولما كان شهر شعبان يحمل إلينا بمجيئه كل نسائم الخيرات وأنواعها، وجميع بشائر البركات ونفحاتها، أصبح كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي رمضان وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن.
ومن أفضل الأعمال في هذا الشهر التي يجب أن نبادر بها، الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن هنا فإني أدعوكم ونفسي في هذا الشهر أن نكثر من الصلاة على النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فالصلاة على النبي المختار من أفضل الخيرات عملًا بأمر الله تعالى، كما أن الصلاة من الله رحمة، ومن الملائكة شفاعة واستغفار ومن المؤمنين دعاء وثناء، وقال مجاهد ـ رحمه الله: الصلاة من الله التوفيق والعصمة، ومن الملائكة العون والنصرة، ومن المؤمنين الاتباع والحرمة، ويفوتنا في هذا الشهر العظيم أن نكثر الدعاء إلى الله بإلحاح أن يتقبل منا، وزيادة التذلل والتضرع إليه أن يعفو عنا.. وللحديث تتمة
محمود عدلي الشريف