الجمعة 10 أبريل 2026 م - 22 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

الإعجاز الصوتي فـي القرآن الكريم «نماذج لأحرف الهمزة والقاف والصاد» «6»

الأربعاء - 12 فبراير 2025 03:32 م
30

.. ثم تأتي الصادُ، وهي حرف الصفير، والتفخيم، والإطباق، والاستعلاء، والذي يبيِّن شدة وعورةِ الطريقِ، وصعوبةِ التنقلِ فيه، إلا على أصحابِ العقيدةِ القويةِ التي لا تلين، والتي في بالها ربُّها، وثوابُه، ورضوانُه، فتتحمل في سبيل ذلك كلَّ صعب، ويسهل عليها فيها كل شديد، عندما تضع بين أعينها رضا الله، ومحبته، وثوابه، وجنته، فالصاد تشعر معها بصعوبة النطق، وخروج الهواء كله من الفم، أيِ: استنفادِ كلِّ القوة عند الإنسان، وبذل أقصى ما يمكنه. حيث بدأ من الهمزة، وهي من الحنجرة، ثم انتقل إلى القاف التي هي في منتصف الحنك، ثم إلى الصاد ما بين الأسنان المقدَمة في الفم، إلى أن تنطق الألف للينة (أقصى) التي هي آخر حرف من الأحرف الأبجدية، كأن الرجلَ المؤمنَ قد مشى مشوار الألفباءِ كاملا من الهمزة، وظل يمضي طالعًا، نازلًا، مُنخفِضًا، مُصعِّدًا حتى أنهى الطريق من أقصاها إلى أقصاها، والأبجدية من ألفها إلى يائها، حيث قطع مشوار (الألف باء) كاملًا، ويمثل ذلك، ويشبه قَطْعَهُ لكلِّ الطريقِ من أقصى المدينة إلى أولها، ويتحمل الصعود، والنزول، والهبوطَ منكفئًا، حتى يدرك سيدَنا موسى قبل قتله، ويدركَ الدفاعَ عنه.

نعم.. إنه رجلٌ كما عَرَّفَهُ القرآنُ الكريمُ:(رجلٌ مؤمنٌ من آلِ فرعونَ يكتمُ إيمانُه)، رجلٌ عَرَفَ مهمته، وأدركَ وظيفتَه، ونهضَ لرسالته، وعَرَفَ هدفَه في الحياة، فمضى في تنفيذه، لا يلوي على شيءٍ، ولا يوقفه شيءٌ، ولا يخيفه شيءٌ، وتحمل في سبيل الله كلَّ شيءٍ، فاستحق أن يكون في معية الله:(فوقاهُ اللهُ سيئاتِ مَا مَكروا)، (وحاقَ بآلِ فرعونَ أشدَّ العذاب)، أما مؤمن آل ياسين فقد قتلوه، وتحمل كلَّ ما تحمله في سبيل الله، والعجيبً أنه أيضًا بعد أن قُتِلَ، وراح إلى ربه مُدَرَّجًا في دمائِهِ شهيدًا ـ تمنى لقومه الذين أراقوا دمَه ظُلمًا، وعُدوانًا ـ أن يعلموا ما أكرمه به ربُه، ولا يزال يصفهم بأنهم قومُه:(قيلَ: ادخُلِ الجَنَّة، قَالَ يَا ليتَ قَومي يَعلمونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلني مِنَ المُكرَمين)، يا له من رجل قوي الإيمان!، صادق العقيدة!، حتى، وهو مقتول، ومظلوم يصفهم بأنهم قومه، وبعد أن أراه الله مقعده من الجنة، تمنَّى ـ هدايةَ قومِهِ، ورجا الله أن يُسْلِمُوا، ويعودوا إلى رحاب ربهم، وطريقه ـ أن يُعلِمِهم اللهُ بإكرامه إياه، وبمقامِهِ العلي؛ لعلهم يأخذون من موته ـ كما أخذوا من حياته ـ العظةَ، والعبرة، والرشاد، والتوفيق، ويعودوا إلى الله!.

إن هناك شخصياتٍ دعويةً ضربتْ أروعَ الأمثلة، وإن نفوسَها هي أرقى النفوس، وأفئدتَها هي أرقُّ الأفئدة، وخصوصًا في مجال الدعوة إلى الله، والسهر عليها، وبذل أقصى الجهود في سبيل الأخذ بأيدي الخلق إلى طريق الحق، وسبيل المتقين.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أمثال هؤلاء الدعاة المخلصين، وأن يبصرَنا بعملهم، ويرفعَنا إلى مقامهم، ونستنَّ بجهودهم، وأن يجعلنا على شاكلتهم، ويرزقنا قوتَهم، ونقاءَ قلوبِهم، وكمالَ صنيعهم، وأن يكتبَنا عنده مثلَهم، ويسلكَنا في عدادهم.

وهكذا بَدَتِ الأحرف بأصواتها، وأبرزتْ إعجازها في محالِّها، وكشفت بنطقها، وطبيعة خروجها عن جمال معناها في سياقها، وكمال مرماها في مكانها، وجلال مغزاها بين كلمات الآية، وبيان أهدافها، فتناغم الصوت مع الدلالة القرآنية، فَبَدَتِ الأحرفُ متناغمة مع ما سِيقَتْ له من معانٍ، ودلالات، ومتساوقةً مع ما جاءت له من معانٍ كِبَارٍ، ومرامٍ غزار، وحِكَمٍ عظامٍ، مكنتنا من فَهْمِ الموقفِ كأننا نراه.

د.جمال عبدالعزيز أحمد

 كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]