السبت 09 مايو 2026 م - 21 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

مصطلحات عمانية لغوية «1 ـ 2»

مصطلحات عمانية لغوية «1 ـ 2»
الاثنين - 03 فبراير 2025 03:43 م

محمد الكندي

130

(والله ما أعرف.. يمكن.. أعتقد.. قالولي.. بسأل وأرد عليك.. تعال بكرة).

مصطلحات وألفاظ غيرت طريقة كلام وحياة الشباب وأصبحت ثقافة عُمانية.

في السنوات الأخيرة فرضت عشرات المصطلحات نفسها على الأجيال الحالية من الشباب.. فعصر ما قبل السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات تحديدًا.. كانت هذه المصطلحات مثل (والله ما أعرف.. يمكن.. أعتقد.. قالولي.. بسأل وأرد عليك.. خليني أستفسر من حد) غير موجودة في قاموسنا.. أما الآن فأصبحت دارجة ومسيطرة على الشباب، وخصوصًا شباب اليوم وشباب أصحاب التقدير المنخفض.. الذي يعمل في مكاتب (كاونترات) ووزارات ومؤسَّسات الخدمات.. وفي البنوك وفي المراكز الصحية، ومعظم الشركات الخدمية.. عندما تسأله عن شيء تلقائيًّا يقول لك ما أعرف أو يمكن أو روح عند ذاك الشخص، وهذا واقع أنا ألاحظه كثيرًا. والسَّبب أنه مشغول بـ(الواتساب) و(الفيس بوك) وغيرهما من التواصل الاجتماعي.

حقيقةً بعد الاطلاع من المراجع والكتب الفلسفية التي أتصفحها.. يخبرنا علم النفس أن الأشخاص أصحاب التقدير العالي في دراستهم، والواثقين بأنفسهم، هم الأكثر قابلية للنجاح وتحقيق أهدافهم بسهولة، بينما يعاني أصحاب التقدير المنخفض بصعوبات عندما يواجهون بعض الأسئلة من المجتمع أو عند إتمامهم أي أمر.. رغم تساوي الإمكانات والمواهب لدى الفئتين.

في هذه المقالة البسيطة سنبحر قليلًا ونعمل مقارنة بين جيل اليوم وجيل الأمس؛ لكَيْ نتعرف لماذا انعدمت هذه الثقة بالنفس لهذا الجيل، وأصبح مشتتًا وفوضويًّا؟ وهل يمكن التخلص منها ومن الأفكار السلبية عن الذات؟ إجابتي نعم بكل تأكيد؛ لأن الثقة بالنفس هي الإيمان بما تملك من قدرات ومواهب وإمكانات ثم صهرها في بوتقة الحياة.

أعزائي.. جيل اليوم يختلف عن جيل الأمس.. نحن جيل تربَّى على الرضا والقناعة والسمع والطاعة لأسباب كثيرة في التربية، وطبيعة المجتمع البسيط والمتواضع.. أما جيل اليوم فجيل شيطان وغير قنوع.. جيل «متعفرت» ـ على قول إخوانا المصريين ـ يمكن أن يحطم كل شيء إذا لم يحصل على ما يريد.. جيل لا تقنعه المسلَّمات ولا يرضى بأي شيء.. إنه يرى ويسمع ويقارن ويسأل بصوت عالٍ جدًّا.. ومعتمد على والديه في كل شيء.. أن يبحث له عن وظيفة وأن يكلم فلان وعلان، وأن يبني له بيتًا أو يستأجر له شقة، وأن يدفع له تكاليف الزواج.. إنه جيل لا يسعى بنفسه.. هذا ما نراه حاليًّا، وأيضًا هذا الكلام جاء وسمعته على لسان كثير من الأصحاب وأولياء الأمور.

طبعًا هناك أسباب كثيرة، لكن سنذكر منها (٤) أسباب رئيسة أدَّت بهذا الجيل إلى الاتسام بهذه الصفات وهي (التكنولوجيا أو التقنية ـ التربية ـ قلة الصبر ـ البيئة).

أولًا: التكنولوجيا أو التقنيات.

الإخوة الأعزاء تكنولوجيا التواصل الاجتماعي تمزق الروابط الاجتماعية.. أنا أول مرة أسمع في التاريخ البشري أن الإنسان لم يعُدْ يشعر بالوحدة أو الملل.. أتعْلَم أخي العزيز لماذا؟ لأننا فقدنا سمة أساسية من سماتنا البشرية.. أتعْلَم أنني رأيت أناسًا وأرى أولادنا يأخذون هواتفهم معهم إلى السرير ومن المفترض أنهم ذاهبون إلى النوم، فما الذي قد يشعرهم بالوحدة؟ وأيضًا أتعْلَم أنني قابلت عددًا كافيًا من طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية من أهلي ومن أهل جيراني وسألتهم: هل تردون على الرسائل المرسلة إليكم في منتصف الليل؟ فكان ردهم: نعم.. بالطبع.. أتعْلَم أنه يطلق عليه أسلوب إثبات الذات وإثبات الوجود من خلال مبدأ: أنا أشارك.. إذًا أنا موجود... وهذا حقيقةً يحدث الان معنا نحن أيضًا.

عزيزي هذا هو جيل الانقطاع الاجتماعي بالرغم من وفرة وسائل التواصل الاجتماعي. فالكل منكب على جهازه ولا يعلم ماذا يدور من حوله؟! فلا الأُم تَعْلم ماذا يفعل أولادها؟ وكم أنجزوا من واجباتهم المدرسية؟ ولا الأب يَعْلم شيئًا عن مشاكل البيت والأُسرة؟! فهو الحاضر الغائب يتصفح جهازه ولا يتكلم مع أبنائه بكلمة أو ينصحهم بنصيحة أو حتى يشاركهم مائدة الطعام.. إنها كارثة يجب الانتباه لها.

هذه هي ضريبة التكنولوجيا التي يدفعها أبناء هذا العصر.. فالسرعة المذهلة التي تسير فيها وتيرة الحياة لا تعطيهم فرصة أبدًا للملمة أفكارهم وأخذ أنفاسهم والتمتع بالجمال الذي يحيط بهم، فتحولوا إلى أناس آليين يسيرون إلى الهدف بدون أن يلتفتوا لغيرهم أو ما حولهم، وهكذا يفوتون على أنفسهم العديد من اللحظات الجميلة التي يمكن أن يشاطروها مع أحبتهم وزملائهم وأصدقائهم.

ثانيًا: التربية

إخواني.. جيلكم هذا جالس يتعرض لأساليب تربوية خاطئة... أتَعْلم أن أغلب الأشخاص الذين ينتمون إلى جيل الألفية تعرضوا لأساليب وسياسات تربوية خاطئة.. لقد اعتاد جيلكم هذا أن يتلقى المديح في كل الأوقات من قبل الوالدين اللذين يشجعان أبناءهما بطريقة مفرطة في الدلال ويجلبان لهم كل ما يريدون وفي كل وقت؛ حتى أصبحنا نتدخل في علامات أطفالنا في المدارس، ليس لأنهم يستحقون ذلك، بل لأننا طالبنا بذلك، وحصلوا على علامات مرتفعة. ولأن المعلمين لا يريدون الاشتباك مع أولياء الأمور والأهالي... أتَعْلم أخي أن هؤلاء عندما يتخرجون من المدرسة ومن الجامعات ويلتحقون بسوق العمل سيشعرون بصدمة قوية؛ لأنهم ـ وبسبب السياسات التربوية الفاشلة التي لقناهم إياها ـ يعتقدون الآن بأنهم مميزون. لكنهم في الحقيقة ليسوا كذلك، والدليل لما تسألهم عن شيء يردون عليك لا نعرف أو نعتقد أو يمكن... هنا سيكتشفون الحياة بطريقة صادمة وسوف تتحطم صورتهم عن ذاتهم، وهو أمر مؤسف ومخيف، وهذا ما يحدث حاليًّا.

محمد الكندي

 كاتب عماني