الجمعة 22 مايو 2026 م - 5 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

نبض المجتمع : الاستفادة من البحوث العلمية .. مطلب مهم

نبض المجتمع : الاستفادة من البحوث العلمية .. مطلب مهم
الأحد - 19 يناير 2025 02:56 م

د. خصيب بن عبدالله القريني

30


يُمثِّل مجال البحث العلمي أحَد أبرز المجالات العلميَّة الَّتي يعتمد عَلَيْها في تنمية مختلف قِطاعات الحياة بصورة عامَّة، فلا يكاد يوجد قِطاع حياتي إلَّا ويدخل هذا المجال في عمليَّة تطويره وتحسينه بغية الوصول به إلى مستوى متقدِّم ومتطوِّر، لماذا؟ لأنَّ هذا المجال يعتمد على أُسُس علميَّة محدَّدة أثبتتِ التَّجارب نجاعتها، فأيُّ إشكاليَّة في أيِّ قِطاع تتطلب الرُّجوع إلى أُسُس ومعايير البحث العلمي من أجْلِ إيجاد حلول واقعيَّة ومنطقيَّة لها، وأيُّ تطوير للعمل يتطلب بحوثًا مستقبليَّة أيضًا تعتمد على منهجيَّة واضحة ومُحدَّدة، ولا يُمكِن الحديثُ عن أيِّ تطوُّر أو أيِّ حلولٍ إلَّا باستخدام منهجيَّة البحث العلمي المتعارف عَلَيْها، وغير ذلك معناه أنَّ ما تمَّ التَّوصُّل له من حلول ونتائج وتوصيات هو محض اجتهادات شخصيَّة لا أساسَ لها من الصحَّة.

لا يختلف اثنان على ما ذهبتُ إِلَيْه من تعميم حَوْلَ أهميَّة البحث العلمي، وما كثرة المؤتمرات العلميَّة والملتقيات في مختلف القِطاعات إلَّا دليل دامغ على الاهتمام المتزايد على استخدام منهجيَّات البحث العلمي في تطوير أدوات هذه القِطاعات، ونشهد بشكلٍ شهري إقامة هذه الفعاليَّات الَّتي تُسهم في الواقع بصورة لافتة في تطوُّر هذا المجال، وتُتيح للقائمين عَلَيْه فرصة عرض تجاربهم وأفكارهم وحلولهم لمختلف الإشكاليَّات الَّتي تواجِه كُلَّ قِطاع على حِدة، ولكن السُّؤال المطروح هنا وبصورة متكررة ودائمة: إلى أيِّ مدى يُمكِن أنْ يستفادَ من هذه البحوث والدِّراسات المُقدَّمة في تطوير العمل وفقَ كُلِّ قِطاع؟ وهل هنالك جهة معيَّنة، سواء على مستوى كُلِّ قِطاع أو حتَّى على مستوى مختلف القِطاعات التَّربويَّة أو الصِّناعيَّة أو التِّجاريَّة أو.. مهمَّتها الرَّبط ما بَيْنَ القائمِين على هذه البحوث والمسؤولين المنفِّذين لأهداف وسياسات هذه القِطاعات؟

أعتقد أنَّ الموضوع ليس جديدًا ولم يتحركْ فيه ساكن إلى الآن، ففي قِطاع التَّربية والتَّعليم مثلًا، تتزايد المؤتمرات والملتقيات ذات العلاقة بالبحوث والدِّراسات التَّربويَّة الَّتي تُعنى بإيجاد حلول للإشكاليَّات الَّتي يُعاني مِنْها هذا القِطاع، وتتركَّز جلُّها في الغرفة الصَّفيَّة الَّتي هي المحور الأساسي للعمل التَّربوي وتجرى التَّجارب وتتنوَّع المناهج البحثيَّة ولكن لا جديد في الأمر، فكُلُّ هذه الدِّراسات مصيرها رف المكتبات الإلكترونيَّة أو تلك المكتبات العاديَّة بشكلِها المعروف، رغم أنَّ الكثير من هذه الدِّراسات استخدمتْ فيها كُلّ إجراءات البحث العلمي، وتمَّ تطبيق أدواتها بالصُّورة المُثلى وبذل الوقت والجهد والمال لتنفيذها، فأين الخلل؟

أعتقد أنَّه آنَ الأوان أن يكُونَ هنالك جهة خاصَّة في كُلِّ قِطاع مهمَّتها الرَّبط ما بَيْنَ الأمرَيْنِ، أمْر الإشكاليَّات الَّتي يعاني مِنْها القِطاع والمشاكل الَّتي تواجِه القائمِين عَلَيْه، وبَيْنَ ما يَجِبُ أن يقدَّمَ من دراسات وبحوث لمعالجة هذه الإشكاليَّات، والموضوع ليس مرتبطًا بوجود مشاكل فقط، بل هنالك بحوث تطويريَّة، بحوث تستشرف المستقبل وتتنبَّأ به، وما التَّطوُّر الحاصل حاليًّا في كثير من دوَل العالَم المتقدِّم، سواء كانتْ في أوروبا أو آسيا أو حتَّى في منطقة الشَّرق الأوسط إلَّا نتاج هذا الفكر، وما عَلَيْنا إلَّا البحث عن الرَّقم الَّذي ينفق سنويًّا لأغراضِ البحث العلمي لِندركَ حجمَ المُشْكلة الَّتي نعاني مِنْها والهدر المستمرّ للموارد البَشَريَّة والماديَّة الَّذي نمارسه في حقِّنا وحقِّ الأجيال القادمة الَّتي تنتظر منَّا هذا التَّوجُّه الَّذي ـ بلا شكّ ـ سيوجد تطوُّرًا يستفيد مِنْه الجميع دُونَ استثناء. إنَ وجود مراكز بحوث دُونَ ربطِها بالقرارات التَّنفيذيَّة هو في الواقع كمن يعمل في وادي والآخر في سيح خالٍ، كما يُقال. ولا يُمكِن أن يجتمعا من الأساس، وبالتَّالي وجود تناغم بَيْنَ الفريقَيْنِ هو السَّبيل الأوحد لتطوُّر العمل في كُلِّ قِطاع والاستفادة الجادَّة والواقعيَّة من المهارات الَّتي يقدِّمها مجال البحث العلمي خصوصًا مع ما توفِّره ثورة الذَّكاء الاصطناعي من إمكانات مضاعفة يُمكِننا الاستفادة مِنْها بصورة أسرع وأجدَى في نفس الوقت.

د. خصيب بن عبدالله القريني

[email protected]