أصبَحنا وكأنَّنا أمام لعبة، يوميَّة، عنوانها «صفقة التَّبادل» مع الرحلات المكوكيَّة بَيْنَ القاهرة والدّوحة، ودُونَ نتيجة ملموسة في نهاية الأمْرِ. فأسرَى الاحتلال ما زالوا بقبضة الفصائل الفلسطينيَّة خصوصًا حركة حماس وتحديدًا (كتائب القسَّام) و(سرايا القدس)، وكُلَّ فترة وفترة يُقتَل عددٌ مِنْهم بنيران الاحتلال ذاته في محاولات الوصول إلى بعضهم.
وكُلَّما اقتربتْ قناتا التَّفاوض في التَّفاهم مع الطَّرف «الإسرائيلي» بشأن «صفقة التَّبادل» فإنَّ نتنياهو يضع «العصيَّ في العجلات» ويُعيد الأمور إلى نقطة الصِّفر. فهو لا يريدُ التَّوصُّل إلى «صفقة تبادل» بل يريدُ إبقاءَ الملف مُشتعلًا ومعه ملف حرب الإبادة ضدَّ الشَّعب الفلسطيني الصَّامد على أرض القِطاع، وإن أمكنَ تهجير الجزء الكبير من مواطني القِطاع وهو ما تدركه جمهوريَّة مصر العربيَّة الَّتي ترَى أنَّ نتنياهو يريدُ تهجيرَ الجزءِ الأكبر من أهالي ومواطني القِطاع إلى سيناء المصريَّة.
وفي أقصَى ما قدَّمه مؤخرًا أنَّه تحدَّث عن «صفقة تبادل أسرَى جزئيَّة كَيْ لا يوقفَ فيها الحرب، كَيْ لا تسقطَ حكومته بأقطابه الفاشيِّين الَّذين يريدون أن تستمرَّ حرب الإبادة في قِطاع غزَّة»، وفق ما ذكرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» يوم الأحد الـ(22) من كانون الأوَّل/ديسمبر 2024.
ومع هذا، فإنَّ المعطيات تُشير إلى أنَّ صفقةً جزئيَّة كالَّتي يريدُها نتنياهو ليسَتْ قريبةً ولن تُنفذَ حتَّى نهاية العام، وثمَّة احتمال كبير ألَّا تنفذَ حتَّى نهاية ولاية الإدارة الأميركيَّة الحاليَّة (ولاية جو بايدن والديمقراطيِّين)، أي في العشرين من كانون الثَّاني/يناير 2025.
إنَّ نتنياهو حتَّى في الصَّفقة الجاري البحثُ فيها الآن والَّتي تتناول عمليًّا صفقة مختلفة ومنفصلة، حَوْلَ قسمٍ من الأسرَى «الإسرائيليِّين» فقط، وتتطرَّق بجُملٍ معدودة وبشكلٍ ضبابي للغاية للصفقةِ الثَّانية. واحتمال تغييرها إلى صفقة واحدة، فإنَّ هذا سيحدُثُ فقط «إذا أطلقتُم صرخة كبيرة. وإذا لم يحدُثْ هذا الآن، فإنَّ وضعَ أعزَّائكم قد يبقَى عالقًا لأشْهُر طويلة جدًّا» وفقَ ما كتبَتْه الصّحافة «الإسرائيليَّة» قَبل أيَّام.
وحسب الصّحافة «الإسرائيليَّة» فإنَّ الصَّفقة الجزئيَّة، الَّتي تُوصَف بـ»الإنسانيَّة» من قِبَل الطَّرف «الإسرائيلي» ـ ويتناسَى حرب الإبادة ضدَّ الشَّعب الفلسطيني ـ تشمل الإفراج عن قرابة خمسين «أسيرًا إسرائيليًّا»، وأنَّ النّقاشَ هو حَوْلَ من بَيْن الرِّجال الَّذين سيُوصَفون بأنَّهم مَرْضَى وسيُشملون بالصَّفقة الجزئيَّة في مرحلتها الأُولى.
إنَّ بنيامين نتنياهو يتخوف من أنَّ صفقةً كاملة تشمل تنفيذ مطالب حركة حماس والجهاد والجبهة الشَّعبيَّة ومختلف القوى والفصائل الفلسطينيَّة بوقفِ الحرب، ستؤدِّي إلى نهاية ولاية حكومته، إثْرَ معارضة الوزيرَيْنِ بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن جفير، لوقفِ الحرب. في وقتٍ حدَث فيه تغيير بحدودٍ واضحة في موقف عائلات غالبيَّة الأسرَى في مُجتمع الاحتلال، بالتَّعبير عن تأييدهم لصفقةِ تبادلٍ تشملُ إنهاء الحرب والانسحاب من قِطاع غزَّة. فغالبيَّة الأسرَى هُمْ من يهودٍ مهاجرين جُدُد إلى فلسطين المُحتلَّة كما تُشير المعلومات، وليس لدَى عائلاتهم أهميَّة في البقاء في «إسرائيل» وعلى الأرجح سيُغادرون بعد الصَّفقة (حال تمَّت) إلى بُلدانهم الأصليَّة الَّتي كانوا قد جاؤوا مِنْها.
علي بدوان
كاتب فلسطيني
عضو اتحاد الكتاب العرب
دمشق ـ اليرموك