الثلاثاء 21 أبريل 2026 م - 3 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

أحمد عدوية.. «حكاية» الغناء الشعبي أصيلة

أحمد عدوية.. «حكاية» الغناء الشعبي أصيلة
الثلاثاء - 31 ديسمبر 2024 04:01 م
20


قدم الفنان والمطرب الراحل أحمد عدوية غناءً جديداً، لم يقدمه أحد قبله من مطربي الغناء الشعبي المصري، بطبيعة الحال استفاد عدوية مما قدم من غناء شعبي سبق ظهوره، ولكن بصمته الخاصة شكلت الطبع العام لغناء الرجل على مدار أكثر من 50 عاماً، أمتع فيها الناس وأثلج صدورهم بغناء بهيج ومنعش، على الرغم من خامة صوته الشجية الحزينة. وللكشف عن أهمية تاريخ أحمد عدوية الفني، وجب احاطة هذا التاريخ الممتد الثري بسياقه التاريخي والمجتمعي، وأثر هذا السياق في إنضاج تجربته ودفعها نحو القمة، والاستقرار في قلوب ووجدان المصريين، وقد أضحى الرجل علامة فارقة في تاريخ الغناء الشعبي المصري.

عرف عدوية طريقه نحو الفن دونما تردد، مؤمناً بقدراته واثقاً بموهبته، في منتصف الستينيات قدم رأساً من محافظة المنيا شمال الصعيد، إلى شارع محمد علي وسط القاهرة، والذي يعد المركز الرئيسي لصناعة الموسيقى والطرب في مصر، متسلحاً بموهبة فريدة وحضور طاغ، لم يضاهيه أحد ممن امتهنوا حرفة الغناء الشعبي من قبله. وعلى تفرد عدوية، إلا أنه استفاد من تجارب من سبقوه، والحديث هنا ليس عن المشاهير من رواد الأغنية الشعبية المصرية، محمد عبد المطلب وكارم محمود وعبد الغني السيد وعزيز عثمان، ولكن عدوية تأثر بجيل آخر من مداحي الموالد والمقاهي الشعبية، واستطاع بذكاء نقل الغناء الشعبي من ساحات ورش العمال وغيطان الفلاحين وساحات المصانع، إلى استديو هات التسجيل وصالات الليل، ولكنه ظل مستمسكاً بنفس آليات عصره، ومنطلقات مجتمعية ومعيشية، تأثرت بها مصر والمنطقة منذ الثلاثينيات حتى منتصف الستينيات، بنى عليها عدوية مسيرته الفنية. ترك عدوية أثراً عظيماً على كل الغناء الشعبي في العقود الأربع الأخيرة، كل حالات النجاح الي ظهرت عند فناني الغناء الشعبي المصري من حسن الاسمر وعبد الباسط حمودة وحكيم وشعبان عبد الرحيم، بالضرورة تتماس بطريقة ما، بعدت أو قربت مع فن عدوية، والذي برع في إحكام الصنعة على المنتج، بمعنى ان هذا الرجل تعب في صقل موهبته والحفاظ عليها وتنميتها، كلمات والحان لمست الأمور التي يحبها الناس وقلوبهم، يشتاقون إليها، فقد خاطب عدوية محبوبته مطالباً إياها بشربة ماء:

حِني على الغلبان..المية في إيديكي وعدوية عطشان!

حيث حاجة الناس وقتها لمياه صالحة للشرب، افتقدوه تحت وطأة تحولات السياسة والاقتصاد، فيما عبر عدوية عن أمور أخرى، كرهها الخلق، بغناء اعجوبته (زحمة)، في وقت كان طريق شباب المصريين من القاهرة إلى كابول أسهل وأسرع من (مشوار) من إمبابة إلى شبرا.

يضاف إلى ما سبق (قاموس) عدوية الاستثنائي، المليء بعجيب الكلمات والمصطلحات والصور، استمتع بها الناس على ما هي عليه، على الرغم من غرائبية اللغة المصطلحات إلا انها ابنة الشارع والناس، فقد طوف بنا عدوية من السح الدح امبو، إلى كركشنجي الذي ذبح الكبش، والصورة اللطيفة النادرة في اغنية (راسي)، حينما جينا نبعد، قالولنا نقعد، وجينا نقعد شدوا الكراسي.

استطاع عدوية بذكاء شديد وخفة ظل معهودة، مزج الوعظ بالطرفة وحكايات الجدات وامثال وحكم العوام، معاشهم وأحلامهم، غزل عدوية كل هذا في قالب محكم وجميل، موضوعات مختلفة ومتنوعة في إطار اشتاق إليه الناس، دون اسفاف او بذائة وعنف، بالطبع صوت عدوية الفريد المليء بالشجن والفرح في نفس الوقت، وحياته الخاصة المثيرة الممتلئة بالأساطير والحوادث المؤلمة، أضفت بعداً درامياً على مسيرته الفنية والإنسانية، رحمه الله فقد كان (أصلي) غارق في مصريته حتى الثمالة، رأيته مرة وحيدة مع بعض الأصدقاء، صبيحة أحد أيام الشتاء أواخر الثمانينيات، يأكل (الكشري) واقفاً، رفقة فرقته الموسيقية أمام محل السني في الجيزة، راقبناه بعيون متوجسة، نظر إلينا في محبة وهتف:

صباح الخير يا رجالة، اتفضلوا معانا! وكنا صبية صغار، لم نتجاوز الثامنة.

محمد مصطفى

[email protected]