الأربعاء 06 مايو 2026 م - 18 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

كسر الصمت ومواجهة فيروس نقص المناعة البشرية فـي عمان!

كسر الصمت ومواجهة فيروس نقص المناعة البشرية فـي عمان!
الاثنين - 30 ديسمبر 2024 02:05 م

د. يوسف بن علي الملَّا

30

في رمال عُمان الذَّهبيَّة، حيث تلتقي التَّقاليد بالتَّقدُّم، يبدأ وباءٌ صامتٌ في إلقاء ظلاله. إنَّ فيروس نقصِ المناعة البَشَريَّة (اتش آي في)، وهو الفيروس الَّذي كان يتمُّ الحديث عَنْه ذات يوم في أراضٍ بعيدة، يشقُّ ـ للأسف ـ الآن طريقه بهدوء إلى نسيج مُجتمعنا. إنَّه ليس مجرَّد تحدٍّ طبِّي، بل هو اختبار لِتعاطُفِنا ووعْيِنا وإنسانيَّتنا. فتحت سطح هذا الشَّعب النَّابض بالحياة تكمن أزمة صحيَّة متنامية لا تُهدِّد الأفراد فحسب، بل تُهدِّد القوَّة الجماعيَّة لمُجتمعاتنا. لقَدْ حانَ الوقتُ، بل وأحثُّ هنا مُجتمعنا والمؤسَّسات المعنيَّة بالسَّعي لمواجهتها بشجاعةٍ وتَفهُّم وعمل حقيقي وسريع!

فعلى الصَّعيد العالَمي، يعيش أكثر من تسعة وثلاثين مليون شخص مع فيروس نقص المناعة المكتسبة، ومع تسجيل أكثر من مليون إصابة جديدة في عام ٢٠٢٣م. وعلى الرَّغم من أنَّ سلطنة عُمان تحافظُ على أحَد أدْنَى معدَّلات الانتشار في جميع أنحاء العالَم، إلَّا أنَّها ليسَتْ محصَّنة ضدَّ هذا الاتِّجاه العالَمي. وتُظهر البيانات الأخيرة زيادةً سنويَّة تقريبًا بنسبة ثلاثة إلى خمسة في المئة في الحالات الجديدة، وهي إحصائيَّة تؤكِّد مدَى إلحاح هذه القضيَّة! ولكَيْ نكُونَ واقعيِّين أكثر، ندركُ جميعًا أنَّ العديدَ من هذه الحالات تظلُّ مخفيَّة، وغالبًا ما يتمُّ تشخيصها في مراحل متقدِّمة عِندَما يكُونُ الفيروس قد أحدَث أضرارًا كبيرة بالفعل. فأضحَى الصَّمت، الَّذي تغذِّيه وصمة العار والخوف، الحليف الأكبر لفيروس نقص المناعة البَشَري، ممَّا سمَح له بالانتشار دُونَ رادع في ظلِّ سُوءِ الفَهْمِ هذا!

ولعلَّ هنالك قصصًا حقيقيَّة كثيرة ومؤلِمة بَيْنَ الجدران، كقصَّة ذلك الأب لطفلَيْنِ والبالغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا، مكثَ ولعدَّة أشْهُر، وهو يُعاني من التَّعب المستمرِّ والأمراض غير المبرَّرة، وعَدَّها ضغوطًا من حياته المزدحمة. ولكن كشفتْ زيارة روتينيَّة للطَّبيب عن الحقيقة المؤلمة: الإصابة بفيروس نقص المناعة البَشَري. وكأنَّ لسانَ حالِه يقول: بأنَّ عالَمَه وحياتَه قَدِ انتهتْ. لقَدْ كان مرعوبًا، ليس فقط من المرض، بل ممَّا سيقوله النَّاس. وهنا تعكس قصَّة ذلك الأب، قصَّة العديد من الَّذين يواجهون العبء المزدوج المتمثل في العيش مع فيروس نقص المناعة البَشَري، والثّقل المعوّق للحُكم المُجتمعي. ومع ذلك فرِحلتُه لم تنتهِ باليأس، بل وبدعمٍ من مقدِّمي الرِّعاية الصحيَّة المتعاطفِين، وجدَ القوَّة لِتَثقيفِ نَفْسِه والآخرين، لِيصبحَ منارة أمل لأولئك الَّذين يعانون من مواقفَ مماثلة.

بطبيعة الحال، العوامل الَّتي تؤدِّي إلى ظهور فيروس نقص المناعة البَشَريَّة في سلطنة عُمان مُتعدِّدة الأوْجُه. وتظلُّ وصمة العار إحدى أهمِّ العوائق الَّتي تثبِّط عزيمة الأفراد عن طلبِ الاختبار أو العلاج. حيث لا يزال الكثيرون يعتقدون أنَّ فيروس نقص المناعة البَشَريَّة يؤثِّر فقط على مجموعات معيَّنة (معرَّضة للخطر)، متجاهلِينَ حقيقة أنَّ أيَّ شخصٍ يُمكِن أن يكُونَ عرضةً للخطر. ويرسم هذا النَّقص في الوعي، إلى جانب التَّشخيص المتأخِّر في ما يقرب من نصف الحالات صورة قاتمة. وتؤدِّي أيضًا العولمة المتزايدة والسَّفر إلى تفاقم هذا التَّحدِّي، معرّضة سلطنة عُمان إلى مناطق ذات معدَّلات انتشار أعلى ومخاطر انتقال جديدة!

وعَلَيْه إذا تُركت دُونَ معالجة، فإنَّ العواقب المترتِّبة على انتشار فيروس نقص المناعة البَشَريَّة قد تكُونُ كارثيَّة. ومن النَّاحية الطبيَّة، يتطوَّر فيروس نقص المناعة البَشَريَّة غير المعالج إلى مرض الإيدز، تاركًا الجهاز المناعي بلا دفاع ضدَّ الالتهابات والسّرطانات الَّتي تُهدِّد الحياة. ويظلُّ معدَّل الوفَيَات في الحالات غير المعالجة، (ومع تطوُّر المَرضِ) مرتفعًا إلى حدٍّ مثيرٍ للقلَقِ، حيث يُتوَفَّى تسعة من كُلِّ عشرة أشخاص في غضون عَقدٍ من الزَّمن. ومن النَّاحية الاقتصاديَّة، فإنَّ التَّأثير لا يقلُّ خطورة، خصوصًا وأنَّ الفيروسَ يؤثِّر في الغالب على البالغِين في سنوات عملهم الأُولى، وبالتَّالي تُواجِه الأُسر الخراب المالي ـ إن صحَّ القول ـ، كما وتتحمل أنظمة الرِّعاية الصحيَّة عبء الرِّعاية الطَّويلة الأجلِ. وبالتَّالي يَجِبُ أن ندركَ هنا أنَّ الخسائرَ المُجتمعيَّة لا يُمكِن قياسها، حيثُ يفقدُ الأطفال آباءهم وتتصارع المُجتمعات المحليَّة مع وصمة العار الَّتي تعزلُهم.

من هنا ـ وبلا شَكٍّ ـ تتطلب معالجة فيروس نقص المناعة البَشَريَّة في سلطنة عُمان جهدًا جماعيًّا ومُتعدِّد الجوانب أكثر من الاعتماد الكُلِّي على وزارة الصحَّة ـ والَّتي مستمرَّة بِدَوْرها ـ. حيث يَجِبُ أن تصبحَ حملات التَّوعيَّة العامَّة حجر الزَّاوية في الوقاية، وتفكيك الخرافات، وتعزيز المحادثات المفتوحة حَوْلَ فيروس نقص المناعة البَشَريَّة. من ناحية أخرى، يُمكِن للمدارس وأماكن العمل والمساجد ـ مثلًا ـ أن تؤدِّيَ أدوارًا محوريَّة في نشرِ المعلومات الدَّقيقة وتعزيز الممارسات الآمِنة. وحقيقةً إنَّ توسيعَ القدرة على الوصول إلى الاختبارات المجَّانيَّة والسِّريَّة أمْرٌ بالغ الأهميَّة، وكذلك ضمان توافر العلاج المضادِّ للفيروسات، والَّذي يُمكِن أن يقلِّلَ من انتقال الفيروس بنسبةٍ تصلُ إلى ستَّة وتسعين في المئة. ولعلِّي أؤكِّد هنا، أنَّه يَجِبُ أن يكُونَ مُتخصِّصو الرِّعاية الصحيَّة مجهَّزين بالمعرفة والعاطفة اللَّأزمة لتقديمِ رعايةٍ غير قضائيَّة، لِتخلقَ بيئةً يشعُر فيها الأفراد بالأمان عِندَ طلب المساعدة. والأهمُّ من ذلك، يَجِبُ على المُجتمع أن يتحدَ لدعمِ المتضرِّرين، وكسرِ دائرة الوصمة تلك والعزلة.

ناهيك وأنَّ فيروس نقص المناعة البَشَريَّة ليس مجرَّد فيروس فقط، بل إنَّها مرآة تعكس قِيَم مُجتمعنا. فكيفيَّة استجابتنا لهذا التَّحدِّي تكشف قدرتنا على التَّعاطف والتَّفاهم والوحدة، موقِنًا بأنَّه يَجِبُ أن تتجذرَ معركة عُمان ضدَّ فيروس نقص المناعة البَشَريَّة في حكمة الاعتراف بالألَمِ، ومعالجة الفجوات، وبناء ثقافة الرِّعاية والقَبول.

ختامًا، إنَّ انتشار فيروس نقص المناعة البَشَريَّة في سلطنة عُمان ليس تحدِّيًا لا يُمكِن التَّغلُّب عَلَيْه. ولكنَّها فرصة لإظهار إنسانيَّتنا، وروح صبرنا. فتذكّرنا قصص أولئك المَرْضَى بأنَّ وراء كُلِّ إحصائيَّة حياةَ إنسانٍ، وأُسرة، ومستقبلًا يستحقُّ الحماية. ومن خلال مواجهة هذا الوباء الصَّامت بشجاعة وإيمان، يُمكِن لسلطنة عُمان أن تمهدَ الطَّريق لغدٍ أكثر إشراقًا وصحَّة ـ بإذن الله ـ. فلتكُنْ هذه هي اللَّحظة الَّتي نختار فيها التَّعاطف بدلًا من الحُكم، والوحدة والعمل بدلًا من الخوف.

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]