مستفيدًا من رحلة عمل طويلة في قِطاع النِّفط والغاز وما صاحبَها من سعي تعلُّم مستمرٍّ وتجارب مهنيَّة وعلميَّة وعمليَّة وتطويريَّة واسعة عايشتْ خلالها تحوُّلات كُبرى على كُلِّ الصُّعد؛ فإنِّي أضعُ بَيْنَ يدَي القارئ الكريم رُوئ ومقاربة مختلفة وطرحًا مغايرًا لِمَا ألِفَ حَوْلَ التَّشغيل. لا شَكَّ أنَّ التَّشغيل قضيَّة تلامس المُجتمع بكُلِّ فئاته، والوطن بجميع مؤسَّساته، بل عالَم اليوم بِعَوْلمته وتعدُّد تدافعاته. هي قضيَّة شغلتِ الحكومات وسياسيِّيها والمؤسَّسات العلميَّة وباحثيها وقِطاعات المال والأعمال وأصحابها وروَّادها، والعاملين بمختلف مِهنهم ومستوى جداراتهم. ولسَعة وتشعُّب جوانب قضيَّة التَّشغيل فإنَّ مناقشتها كُلَّها يتطلب أكثر من مقال والَّتي أرجو أن تضيفَ إلى النّقاشات الجارية وتُسهم في الجهود المبذولة في هذا المجال. ولنبدأْ أوَّلًا بضرورة تأسيس فَهمِنا لواقعِ التَّشغيل والمفاهيم الَّتي شكَّلت تصوُّراتنا وممارساتنا عِندَ التَّعاطي مع هذه القضيَّة الشَّائكة والمُعقَّدة والمُتغيِّرة باستمرار.
إنَّ أحَد أهمِّ واجبات الدَّولة لمواطنِيها إيجاد فرص عمل وتشغيل ليكسبوا معايش كريمة. إيجاد فرص تشغيل هي بذات أهميَّة توفير الرِّعاية الصحيَّة والتَّعليم وتيسير متطلبات الحياة المعاصرة من كهرباء وماء واتِّصالات وبنى أساسيَّة ومَرافق عامَّة. في المقابل فإنَّ على رعايا الدَّولة واجب القيام بالأعمال والمُهِمَّات والأدوار وما تتطلبه الدَّولة لتنمية مستدامة واستقلال وبناء اقتصاد متين وإحراز تقدُّم حضاري. تُشكِّل هذه المعادلة بطرفَيْها: الدَّولة بمؤسَّساتها العامَّة والخاصَّة، والعاملون بقدراتهم وبذل جهودهم منظومة أساسيَّة ومهمَّة لفَهْمِ وإدارة التَّشغيل كمُكوِّن رئيس للدوَل العصريَّة والمُتقدِّمة. وبهذا التَّشابك وتُعدُّد الأدوار واتِّساع المُهِمَّات والواجبات فإنَّه من الضَّروري أن يتشكَّلَ توافُق على فَهْمٍ مشترك لجوانب هذه القضيَّة وماذا يُقصد بهذا المصطلح أو بذلك التَّوصيف؟ كثير من المصطلحات أُطلقتْ لتعرِّف مبدأً وفكرة معيَّنة أو توصِّف مقاربةً وممارسة مُحدَّدة وبعدَها يتطوَّر الفَهْمُ وقد يختلف عِندَ البعض لِيدلَّ على شيء آخر أو تغيُّر بسيط أو كبير لدلالة المصطلح المبدئيَّة. إنَّ التَّغيُّر في الفَهْمِ وفي التَّصوُّر هو سِمة جليَّة وشائعة لكُلِّ ما هو مُتعلِّق بسُلوك الإنسان وتفاعله وهو دليل على سُنن التَّطوُّر والنَّماء. ولذلك فإنَّه من الحكمة مراجعة فَهْمِنا لكثير من الأفكار والتَّصوُّرات والمفاهيم من وقتٍ لآخر وذلك للدَّفع بعمليَّة التَّطوير والتَّجديد المستمرِّ، وتحقيق الكفاءة العالية فيما نقوم به. وفيما يلي سأناقش مفهومَيْنِ أساسَيْنِ: أوَّلهما المصطلحات الشَّائع استخدامها ودلالتها، وثانيهما عمليَّة التَّشغيل وإدارتها. تتداول توصيفات مختلفة لعمليَّة إيجاد أعمال ثابتة ومستدامة في مؤسَّسات عامَّة أو خاصَّة، ثمَّ تعيين وتسكين أشخاص عاملين فيها لأداء أعمال ومُهِمَّات بما يتناسب مع مؤهلاتهم العلميَّة وخبراتهم العمليَّة. مصطلح «التَّوظيف» هو الأكثر استخدامًا في وصفِ هذه العمليَّة ويُقصد به إسناد «وظيفة» أو عمل دائم بمتطلبات مخصوصة وللقيام بمُهِمَّات وأعمال مُعيَّنة في مؤسَّسات معروفة ومُحدَّدة نشاطاتها. غير أنَّ دلالة مصطلحَي التَّوظيف والوظيفة غير دقيقَيْنِ لا في معناهما ولا في مغزاهما. فالتَّوظيف هو الاستفادة من قدرات مُعيَّنة لأداء وإنجاز مُهِمَّات مُحدَّدة وليس عملًا دائمًا ومُتجدِّدًا. فيُمكِن للمؤسَّسة توظيف بعض العاملين لدَيْها لأداء أدوار وإنجاز مُهِمَّات مُحدَّدة وبأُطُر زمنيَّة محدودة نظرًا لِما يتمتعون به من مؤهّلات وقدرات وخبرات. وقد يدلُّ أيضًا على استخدام إمكانات المؤسَّسة البَشَريَّة وغير البَشَريَّة لتحقيقِ أهدافٍ مُعيَّنة مِثل توظيف سمعة المؤسَّسة كرائدة في نُظم إدارة الجودة، سواء في التَّسويق أو لزيادة إراداتها وتوسيع مجالات عملها. وكذلك فإنَّ مصطلح «فرص عمل» يستخدم للدَّلالة على وجود مُهِمَّات ثابتة ودائمة لدَى مؤسَّسات عامَّة أو خاصَّة يستقطب لها ذوي مؤهّلات وخبرات عمليَّة في مجالات مخصوصة وذلك للقيام بأعمال عديدة مخصوصة ومستدامة ومُتجدِّدة وضروريَّة لِتَحقيقِ المؤسَّسة أهدافها وإنجاز خططها. مصطلح «التَّوظيف» يستخدم للدّلالة على الإجراء بَيْنَما مصطلحا «الوظيفة» و»فرصة عمل» يستخدمان للدّلالة على المنصب ـ وما يشمله من مُهِمَّات وأدوار وأعمال ـ الَّذي يعيّن أو يسكّن العامل فيه فيكُونُ جزءًا من هيكلة المؤسَّسة. وحيث إنَّ الأعمال والمُهِمَّات المسندة إلى العامل (بكُلِّ المستويات والمسؤوليَّات) قد تتغيَّر وتتبدَّل حسب المعطيات والاحتياجات فإنَّ دلالة هذه المصطلحات غير مناسب لتوصيفِ الإجراءات ولا لوصفِ المناصب. وإن كانتِ القاعدة السَّائدة «لا مشاحَّة في الاصطلاح» تدعو إلى السَّماح بالاختلاف في الاصطلاح فإنَّ قاعدة «الحكم على الشَّيء فرع عن تصوُّره» تتطلب توصيفًا دقيقًا وتصوُّرًا جيِّدًا لأيِّ أمْرٍ أو شأنٍ بتكوين فَهْمٍ صحيح قَبل الحُكم عَلَيْه، وهنا تكمن أهميَّة استخدام المصطلح المناسب والدَّقيق.
ولذا فإنَّ مفهوم «التَّشغيل» هو بديل أدقُّ في توصيف عمليَّة الاختيار والتَّعيين وإلحاق المشتغل أو العامل بالمؤسَّسة المشغِّلة له. مصطلح «التَّشغيل» يجمع بَيْنَ عناصر عمليَّة الاختيار والتَّعيين بهدف إنجاز أعمال وأداء مُهِمَّات والقيام بأدوار تناسِب قدرات وجدارات وخبرات المشتغل المُعيَّن لها. فالمؤسَّسة هي مُشغِّل والعامل هو مُشغَّل أو مشتغل والأعمال والمُهِمَّات والأدوار الموكلة للمشتغل هي الشُّغل وعمليَّة اختيار وتعيين العامل المؤهّل وإسناد المُهِمَّات والأعمال إِلَيْه هي التَّشغيل. فإنَّ مصطلح التَّشغيل هو بديل أدقُّ لمصطلح التَّوظيف والشُّغل بديلٌ أنسَبُ لمصطلحَي فرصة العمل أو الوظيفة. وقد أدرك القائمون على تنفيذ رؤية «عُمان 2040» الفَرق بَيْنَ «التَّوظيف» و»التَّشغيل» فأطلقوا على أحَد أهم البرامج الوطنيَّة «البرنامج الوطني للتَّشغيل» والَّذي يهدف لإيجاد فرص تشغيل مُتجدِّدة ومُتطوِّرة للقوى العاملة الوطنيَّة.
عمليَّة مواءمة القدرات والكفاءات بمتطلبات إنجاز الأعمال والمُهِمَّات والقيام بالأدوار هي عمليَّة تكامليَّة مترابطة تجمع بَيْنَ أطراف عدَّة وتتبع إجراءات مُتعدِّدة وتتطلب إدارتها قدرات وإمكانات عالية، وهي متعلِّقة كذلك بأعدادٍ كبيرة من أصحاب الشَّأن ولها تأثير كبير على القِطاعات المختلفة. وعَلَيْه فإنَّ النَّظر إِلَيْها كعمليَّة إجرائيَّة مبسَّطة وبتعاملات رتيبة (روتينيَّة) وخطيَّة (بسيطة تسببيَّة) هو تبسيط شديد لعمليَّة مُعقَّدة ومقاربة غير ناجزة. وما التَّحدِّيات الكبيرة الَّتي تواجِه عمليَّة التَّشغيل وصعوبة إيجاد حلول ناجعة كافية جامعة إلَّا بسبب التَّبسيط الشَّديد واتِّباع مقاربات بدائيَّة ثبتَ عدم قدرتها وكفاءتها في إدارة هذا الملف الوطني المُهمِّ والحيوي. وعَلَيْه فإنَّه يَجِبُ النَّظر إلى هذه العمليَّة وإدارتها كمنظومة مترابطة، وحيويَّة، ومُتجدِّدة ومتشابكة مع قِطاعات عمل ومجالات عديدة. إنَّ مفهوم «المنظومة» يتطلب تطوير سياسات ونُظم وحوكمة ومقاربات مختلفة مُتجدِّدة وكفؤة. وعَلَيْه فإنَّ «منظومة التَّشغيل» يَجِبُ أن تكُونَ متكاملة ومتينة ومُتطوِّرة تنظِّم العلاقة بَيْنَ المشتغل (المُشغَّل) والمؤسَّسة (المُشغِّل) والمستفيد وتحدّد مجالات الشُّغل ومستهدفاتها من مُنتَجات وخدمات. إنَّ فَهْمَ هذه المعادلة بعناصرها الثَّابتة والمُتغيِّرة مُهمٌّ لمعالجة قضيَّة التَّشغيل، والَّتي هي إحدى أهمِّ قضايا السَّاعة وأكثرها تعقيدًا وصعوبة. لقَدْ أصبحتْ قضيَّة التَّشغيل وإيجاد فرص تشغيل مناسبة ومجزية للمواطنين والمُقيمِين ضرورة معيشيَّة ملحَّة، وهي ـ بلا شَك ـ تؤرق الكثير من المسؤولين والمواطنين وأصحاب الأعمال ليس في عُمان فحسب، بل في أغْلَبِ الدوَل والمُجتمعات. وما ذلك إلَّا للتَّحدِّيات المُتعاظمة والنَّاتجة من تَعدُّد عواملها واعتباراتها وتداخلاتها مع النَّشاط البَشَري المترابط، والمنظومات الاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة، والسِّياسيَّة والَّتي لا تفتأ تتغيَّر. شغلتْ قضيَّة التَّشغيل ومعالجة العطالة الكثيرين بمختلف مستوياتهم ومسؤوليَّاتهم، وهذا انعكاسٌ لأثَرِها الواسع والمباشر على المُجتمع بأكمله. وبتوافر منصَّات النَّشر والتَّواصُل الحديثة استقطبتْ قضيَّة التَّشغيل والتَّوظيف نقاشات واسعة وآراء متشعِّبة. قد يبدو بعضٌ من هذه المعالجات بسيطًا يقترح حلولًا غير واقعيَّة ولا متكاملة لقضيَّة بالغة التَّعقيد والصُّعوبة ممَّا يجعل التَّقدُّم المنجز بطيئا وغير مستدام. هذه القضيَّة الشَّائكة تتطلب بذلَ جهودٍ جماعيَّة مُضنية وشموليَّة وبفِكرٍ جديد لإيجاد حلول وإحداث اختراقات حقيقيَّة. وهذا الطَّرح يؤكِّد الحاجة لمعالجةٍ مبتكرة وفِكر جديد ومقاربات نَوْعيَّة تأخذ في الاعتبار المُتغيِّرات المُتسارعة في نُظم التَّشغيل وطرائق العمل، وأساليب الإدارة والمتزامنة أيضًا مع تحوُّلات مُجتمعيَّة كُبرى وتغيُّر جلي في سِمات وصفات الأجيال النَّاشئة، وكذلك التَّطوُّر التِّقني المتسارع.
د. سلطان بن سعيد الشيذاني
مدير تنفيذي سابق بشركة تنمية نفط عمان
ورئيس سابق لجمعية المهندسين العمانية