كَمْ علَتِ الأصواتُ والاستغاثات خوفًا على عزوفِ أطفالِنا عن التَّحدُّث باللُّغة العربيَّة، والاعتزاز بالتَّحدُّث باللُّغة الإنجليزيَّة، وكَمْ استَغثْنا لِنُعِيدَ لشبابنا ثقتهم بلُغتهم وثقافتهم العربيَّة، لا سِيَّما وأنَّ اللُّغةَ الإنجليزيَّة هي لُغة التكنولوجيا ولُغة التَّطوُّر العلمي، فتجد الكثير من الشَّباب يُتقنون اللُّغة الإنجليزيَّة أكثر من إتقانهم للُّغة العربيَّة، بل إنَّ بعضهم يتحدَّث اللُّغة العربيَّة بلُغةٍ مُشوَّهة مخلوطة باللُّغة الإنجليزيَّة وهي ما تُسمَّى بلُغة (العربيزي)، تلك ظاهرة اجتماعيَّة تُثير القلَق، وقد تفاقمتِ المُشْكلةُ مع الانفتاح على الثَّقافات الأخرى من خلال وسائل التَّواصُل الاجتماعي، فقَدْ تراجعَ اهتمام الشَّباب باللُّغة العربيَّة وازداد اهتمامهم بتعلُّم اللُّغة الإنجليزيَّة واستخدامها؛ كونها لُغة المِهن والعمل في كثير من التَّخصُّصات، حتَّى باتَ الآباء يرسلون الأطفال منذُ نعومة أظافرهم لروضاتِ وحضانات تعتمد اللُّغة الإنجليزيَّة كلُغةِ تخاطُب ولُغة تَعلُّم، تلك المظاهر الاجتماعيَّة باتَتْ تُهدِّد ثوابتنا وهُوِيَّتنا الثَّقافيَّة، حتَّى ظنَّ البعض أنَّ اللُّغة العربيَّة ستكُونُ لُغة كِبار السِّن فقط، وهي لُغة جيل منصرم.
في حين أنَّ تلك الظَّاهرة ما هي إلَّا أحَد التَّحدِّيات الَّتي تُواجِه لُغتنا العربيَّة، فقَدْ واجهتِ اللُّغة العربيَّة تحدِّيات كثيرة ورُبَّما هجمات حتَّى ظنَّ البعض أنَّها مُهدَّدة بالانقراض، إلَّا أنَّ هذه اللُّغة ستظلُّ باقيَّة ما بقيَتِ الخليقة، ألَمْ يَعِدِ الله تعالى في كِتابه العزيز بحفظها في قوله تعالى من سورة الحجر آية (9) (إنَّا نحن نزَّلنا الذِّكر وإنَّا له لحافظون) والقرآن الكريم نزلَ باللُّغة العربيَّة.
نَعم.. لقد ظلَّتِ اللُّغة العربيَّة صامدةً رغم التَّحدِّيات الَّتي واجهتها على مرِّ التَّاريخ. فعِندَما توسَّعتِ الدَّولة الإسلاميَّة وامتدَّتْ إلى بلاد الفُرس والرُّوم، واختلطَ العرب بأقوامٍ ينطقون لُغات مختلفة، خشوا على ضياع اللُّغة العربيَّة، وظهور اللَّحْن في اللُّغة على ألسُنِ العرب والأجانب. إنَّ مِثلَ هذه التَّحدِّيات تظهرُ عِندَما يحدُث التقاء بَيْنَ الحضارات، وما يترتَّب عَلَيْه من تمازُج ٍحضاري في اللُّغة والعادات والتَّقاليد والعلوم والآداب والفنون.
وقد كان العرب في ذلك الوقت يقفون أمام قضايا عديدة تحتاج للتَّصدِّي كالحاجة لتعريبِ الدَّواوين الحكوميَّة؛ لِتكُونَ اللُّغة العربيَّة هي اللُّغة الرَّسميَّة لتلك الأمصار، والحاجة لترجمةِ العلوم السَّائدة في تلك الأمصار، والحاجة لتعليمِ الأهالي اللُّغة العربيَّة لِيُتقنوها وتكُونَ هي لُغتَهم الأُمَّ، وقد بذلوا جهودًا كبيرة لحلِّ تلك الإشكالات، فأنشأوا حلقات تعليم الصِّبيانِ اللُّغةَ العربيَّة، وأقاموا مؤسَّسات لترجمةِ الكتب من اللُّغات المختلفة إلى اللُّغة العربيَّة، ففي عام (85) هجريَّة أنشِئَت أوَّل لَجْنة لترجمةِ الكتب خالد بن معاويَّة بن أبي سفيان في دمشق، وقد سار على هذا النَّهج باقي الخلفاء جيلًا بعد جيلٍ.. فها هو الخليفة المنصور، وهارون الرشيد، يُعيِّنان العديد من اللِّجان لِتَرجمةِ الكتب في مختلف العلوم.
وقد توالتِ التَّحدِّيات الَّتي واجهتِ اللُّغة العربيَّة على مرِّ الأزمان، فمع توسُّعِ الدَّولة العثمانيَّة وانتشارِ اللُّغة التركيَّة واللُّغة الكرديَّة، شكَّل التَّقارب الثَّقافي بَيْنَ العرب والعثمانيِّين أحَد التَّحديدات الَّتي واجهتها اللُّغة العربيَّة، وقد تصدَّى لهذا الأمْرِ الطَّرفان (العرب والعثمانيون) معًا لِيُحافظوا على اللُّغة العربيَّة، فقد ظهرتْ فكرة المجامع اللُّغويَّة في عهد العثمانيِّين، حيث أنشِئ أوَّل مَجمع لُغوي في دمشق عام 1919م على يَدِ محمد كرد بن علي، وهو مركز يهدف إلى التَّعامل مع جميع المتغيِّرات المعنيَّة باللُّغة العربيَّة كقضايا التَّعريب، وإصدار القواميس، والتَّوعية بالأخطاء الشَّائعة في اللُّغة، والفصل في القضايا الخلافيَّة اللُّغويَّة، واعتمادها وتعميمها، وقد توالتِ المجامع اللُّغويَّة على مرِّ العصور لِتكُونَ منابرَ تعالجُ قضايا اللُّغة وتقفَ في وَجْهِ التَّحدِّيات، ونذكرُ من هذه المجامع مَجمع القاهرة 1932، تلاه مَجمع بغداد 1947، ثمَّ باقي الدوَل العربيَّة حتَّى وصلَ عدد تلك المجامع اللُّغويَّة ثمانيَّة عشر مَجمعًا لُغويًّا، فكانَ لا بُدَّ من تعاون المجامع اللُّغويَّة من أجْلِ إنشاء كيان يجمع تلك المجامع اللُّغويَّة، وتنظيم الاتِّصال وتنسيق الأعمال بَيْنَها، فتمَّ تأسيس اتِّحاد المجامع اللُّغويَّة العلميَّة العربيَّة عام 1971 برئاسة الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي ويُمثِّل هذا الاتِّحاد ثلاثة مجامع لُغويَّة وهي: مَجمع دمشق ومَجمع مصر، ومَجمع بغداد، هكذا يسخِّر الله من عباده من ينتصر لهذه اللُّغة؛ لِتظلَّ صامدةً سائدةً على مرِّ العصور... ودُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.
نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
Najwa.janahi@