يُعدُّ الفنان العُماني سعيد العلوي واحدًا من الذين أثروا المشهد التشكيلي في سلطنة عُمان منذ انطلاق مسيرته الفنية عام 1986. بفضل انضمامه إلى مرسم الشباب وجمعية الفنانين التشكيليين، نجح العلوي في بناء تجربة فنية متفردة تعكس مسارًا غنيًا بالتطور والتحول الإبداعي. تطورت مسيرته عبر خمس مراحل رئيسة، بدءًا من مرحلة التكوين التي شهدت بناء الأساسيات الفنية، وتعلم الأدوات التعبيرية التي ساعدته على صياغة رؤيته الفنية، ومرورًا بمرحلة الشباب التي شهدت انطلاقته القوية، حيث كثف مشاركاته في المشهد التشكيلي العُماني وبدأ في استكشاف مواضيع وأساليب جديدة تعكس وعيًا متزايدًا بالقضايا الجمالية والفكرية.
المرحلة الحروفيّة : الفن والتجديد
اتجه العلوي إلى توظيف الحروف العربية كعنصر جمالي ضمن أعماله، مقدمًا قراءة معاصرة لتراث الخط العربي، حيث لم تكن الحروف مجرد رموز بل عناصر تعبيرية محملة بالدلالات الجمالية والفكرية. من خلال هذه المرحلة، استطاع أن يقدم رؤية جديدة تجمع بين الشكل والمضمون، ما جعله واحدًا من أبرز الفنانين الذين عملوا على تطوير الحروفيات ضمن سياق فني عُماني معاصر.
المرحلة الديناميكية: الحركة والدوران
انتقل العلوي بعد ذلك إلى مرحلة الحركة والدوران، وهي مرحلة تميزت بالحيوية والديناميكية، حيث اتخذت لوحاته مسارات بصرية جديدة تركز على الإيقاع والتجريد. تجلت هذه الأعمال في التراكيب الديناميكية التي تعكس مفاهيم الحياة والطبيعة، حيث اعتمد على التنوع في استخدام الألوان والتكوينات، مما جعل أعماله نابضة بالحياة.
الرسوخ والثبات : نضوج فني
في هذه المرحلة الأخيرة من مسيرته، وصل العلوي إلى حالة من النضوج الفني الذي يمزج بين العمق والابتكار. اعتمد على خبرته التراكمية الطويلة لتقديم أعمال تتميز بالتوازن بين الجماليات البصرية والروح الفلسفية.
وُلِد العلوي عام 1965 وحصل على بكالوريوس في إدارة التربية من جامعة السلطان قابوس، إلى جانب دبلوم في الدراسات الاجتماعية من الكلية المتوسطة للمعلمين. بدأ مسيرته الفنية مبكرًا بانضمامه إلى مرسم الشباب عام 1986. قدم العلوي أول معارضه الفنية في نادي الطليعة الرياضي عام 1989 بمدينة صور، ليعود بعد 28 عامًا بمعرض آخر بعنوان (معزوفة الحروف) في صالة الكلية العلمية للتصميم، مما يعكس استمراريته وإصراره على الحضور في المشهد الفني. كما ساهم في العديد من الفعاليات الفنية داخل وخارج سلطنة عمان.
في معرضه الأخير عام 2018، برزت ملامح هذه الثنائية بشكل واضح، حيث استطاع أن يوظف عناصر من بيئته المحلية وتراثه الجغرافي ببراعة، مقدمًا تجربة بصرية تحمل روحًا إبداعية تعكس الهوية العُمانية بأسلوب معاصر يجمع بين الأصالة والمعاصرة .
أحد أهم جوانب تميّز العلوي هو ما يمكن وصفه بـ(ثلاثية التلقي)، حيث يتجلى التفاعل بين العمل الفني ومحيطه البصري والعاطفي والفكري. يتجاوز الفنان فكرة اللوحة كمنجز بصري ليحولها إلى وسيط حواري يدعو المتلقي لاستكشاف أبعاد جديدة تتعلق بالتراث والتاريخ، مع رؤية مستقبلية تعكس تطلعات النهضة العُمانية.
هذا النهج لا ينفصل عن المحلية الواضحة التي تتمثل في استلهام رموز وأشكال من التراث العماني، ليخلق لغة بصرية جديدة تتحدث عن الماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد بحيث لا يمكن فهم تجربته بمعزل عن الدور الكبير الذي لعبه رواد الفن التشكيلي العماني منذ 1970في ترسيخ أساسات هذا الحراك في مواكبة مستجدات الحركة التشكيلية العالمية وإبداع يعكس مسيرة الحركة الفنية العمانية عبر مراحلها المختلفة .
فقد تأثر العلوي وغيره من أبناء جيله بأسماء بارزة مثل أنور سونيا، موسى صديق المسافر، عبدالله الحنيني، محمد نظام ومحمد فاضل الحسني ورابحة محمود و حسن مير والراحل أيوب البلوشي وغيرهم ممن ساهموا في صياغة هوية فنية عمانية معاصرة . هؤلاء الرواد، بإنجازاتهم المتنوعة، وضعوا اللبنات الأولى لرسم مسار فني وطني ظل متصلًا بواقعه الثقافي والحضاري يواكب مستجدات الحركة التشكيلية العالمية وإبداع يعكس مسيرة الحركة الفنية العمانية عبر مراحلها المختلفة.. في أعماله الأخيرة، يقدم رؤية فنية متقدمة بجرأة تتجلى فيها روح المغامرة التكوينية بقدرته على بناء كل لوحة. يستند هذا البناء إلى تعبيرية غنائية تنبض بالحياة، حيث يسعى إلى تأكيد الحداثة في أعماله مع الحفاظ على خصوصية أسلوبه الفني. تتسم أفكاره الفنية بتأويلات فلسفية تستمد معرفتها من العمق الثقافي والروح العُمانية الأصيلة، بينما تظل منفتحة على التجريب والتجريد المعاصر. هذا التوازن يمنحه القدرة على صياغة صور بصرية مبتكرة تعكس قيم الجمال والتجديد، وتتجلى مهارته في معالجته المتميزة لمجموعة متنوعة من الخامات، مثل الزيت، الأكريليك، والخامات الأخرى، يبرز في أعماله إحساس عالٍ بالتنوع التقني، ما يعكس فهمًا عميقًا لقدرة المادة على نقل الأفكار والمشاعر.
في أعماله، يحاول أن يلامس البعد الإنساني بتوازن دقيق بين روح الموروث العماني وقيم الحداثة، يسعى جاهدًا إلى صياغة لغة حوار بصرية تأخذ منجزه الإبداعي من إطار اليومي والمحلي إلى فضاء عالمي يحرك مشاعر المتلقي، رغم التنوع الواسع في موضوعاته، تظل أعماله قادرة على خلق حالة من التفاعل الحسي والروحي، مما يجعلها تجربة فريدة تستدعي التأمل ، لانها تتميز بثنائيات متناقضة ، مثل الحسي والروحي، الاجتماعي والفردي، العلمي والصوفي، الضرورة والحلم ،هذه الثنائيات تعكس هواجسه ورؤاه، وتؤكد طابعه التعددي الذي يتجلى في استخدامه الماهر للألوان.
حيث ينتقل بسلاسة بين الانسجام اللوني والتضاد، بين الألوان المتداخلة والألوان ذات الحدود الصارمة، وبين الألوان المكملة والمتممة ، هذا التباين يعكس طبيعة متجددة وحيوية تُثري أعماله بالتنوع والاكتشاف ، فهو فنان دائم البحث والتجريب ، لا يقتصر إبداعه على أسلوب واحد، بل هو في حالة دائمة من التطور والتجوال الفني ، إن تنوع خاماته، أساليبه، وموضوعاته يؤكد شغفه بالاكتشاف وسعيه المستمر للتجديد.
يمتد التجريب عنده ليشمل استخدام خامات بتقنية فيها خصوصية على أسطح غير تقليدية، مثل الأبواب، النوافذ، وصناديق المندوس. هذا الاختيار يعكس حسًا طفوليًا خفيًا وغير متعمد، يمنح أعماله طابعًا من البراءة والعفوية ، وعلى الرغم من ذلك، تبقى هذه المحاولات نافذة جديدة لفهم عوالمه الفنية المعقدة.
قراءة ـ د. صبيح كلش
فنان عراقي