بسبب التزامه بالأمْرِ الصَّادر عن قائده العسكري، بَقِيَ الملازم الثَّاني في الجيش الياباني هيرو اونودا ثلاثين عامًا مختبئًا في غابات الفلبين، ورفضَ العودة إلى بلده اليابان، بعد أن قال له قائده، عَلَيْك أن لا تَعُودَ إلَّا بعد تسلُّم الأمْرِ مِنِّي شخصيًّا.
هذه قصَّة حقيقيَّة، تحكي قصَّة الضَّابط الياباني اونودا وتَعُودُ إلى الحرب العالَميَّة الثَّانية، وعرض للقصَّة الغريبة فيلم بعنوان (onoda) من إخراج Arthur Harari وعرض الفيلم عام 2021.
عِندَما أرسلته وحدته العسكريَّة على رأس مجموعة من العسكريِّين إلى غابات الفلبين بغرضِ استطلاع القوَّات الأميركيَّة هناك، تمسّك بقوانين القوَّات المُسلَّحة اليابانيَّة والولاء المُطلق للإمبراطور.
هذه القصَّة الَّتي عُرف بها الشَّعب الياباني في العام 1950، أي بعد انتهاء الحرب بخمس سنوات تقريبًا، ولم يستسلمْ ويَعُدْ إلى بلاده إلَّا في العام 1974، تُثير أسئلةً جوهريَّة، لا أعرف فيما إذا جرت دراستُها من قِبل علماء الاجتماع ومعهم مختصون من علماء النَّفْس أم أنَّها أهملتْ ولم تخضعْ للدِّراسة والتَّمحيص.
هيرو اونودا ليس جاهلًا، قادَ المجموعة في تلك الغابات أثناء الحرب، وبَقِيَ ملتزمًا بالأوامر العسكريَّة رغم كُلِّ الصِّعاب والجحيم الَّذي عاشَه لثلاثةِ عقودٍ (عشرة آلاف ليلة)، وبعد أن وصلَ أحَد أفراد المجموعة إلى اليابان، أخبر الحكومة بأنَّ اثنَيْنِ من المجموعةِ ما زالوا في غابات الفلبين، وهُمَا يعتقدان أنَّ الحربَ ما زالتْ قائمةً.
وزَّعتِ الحكومةُ منشوراتٍ في المكان تشرحُ فيها أنَّ الحربَ قَدِ انتهتْ، لكنَّ تلك المنشورات لم تتضمَّنْ أمرًا من قائده العسكري، لهذا لم يُصَدِّقْ اونودا وزميله ما جاء فيها، بعد ذلك وصلَ المكان عددٌ من أفراد أُسرته لإقناعِه بالعودة. فسَّر ذلك، أنَّ أميركا وضعتْ سُلطات ضعيفة وتابعة لها في الحُكم وهو لن ينصاعَ لأميركا، ولم يقتنع بكُلِّ ذلك، وبمرور السَّنوات سادَ اعتقادٌ بأنَّه قَدِ انتهى في تلك الغابات الكثيفة والكبيرة.
سائح ياباني شابٌّ يقابلُ اونودا وعِندَما رآه تذكَّر قصَّته وأقنعَه بالجلوس سويَّة، أمْضَيا ليلةً كاملة، ولم يتمكَّنْ من إقناع اونودا بالعودة، طالبًا أن يتسلمَ الأمْرَ مباشرةً من قائده في الجيش الَّذي أصدرَ أوامره بعدم العودة في العام 1940.
بحثَ الشَّابُّ الياباني عن الضَّابط، وبعد عناء زارَه في مكتبةٍ لبيعِ الكتب حيث يعمل، بصعوبة تذكَّر الضَّابط بدايات القصَّة بعد أن عرضَ صورتَه وبعض ما كتبتِ الصُّحف عن تلك القصَّة.
أخيرًا، يصلُ الضَّابط وهو يرتدي الزيَّ العسكري المهترئ القديم، عِندَها اقتنعَ اونودا بأنَّ الحرب قَدِ انتهتْ منذُ عُقودٍ وعادَ إلى أهلِه وتُوُفِّي في العام 2014.
ما الَّذي يسيطر على العقول بهذه الطَّريقة؟
وليد الزبيدي
كاتب عراقي